آينشتين يتحدث إلى (آخر ساعة)

356

ارشيف واعداد عامر بدر حسون /

في جامعة برنستون قابلت “آينشتين” الذرية، وكنت من زمين طويل احلم بأن التقي يوماً بهذا العالم الذي يعد اكبر عقل على كل قيد الحياة، في هذا العصر الذي نعيش فيه.
وكان لقاؤنا في مكتب صغير، في الجناح الذي اهدته دفعة خريجي سنة 1902 من برنستون، برنستون- من مندوب آخر ساعة الخاص
الى جامعتهم العزيزة وقال الى انيشتين، واللغة الانجليزية تتعثر بصعوبة بين شفتيه:
هل تريد ان تجلس هنا، انا احس اني في حاجة الى بعض الهواء النقي فماذا لو خرجنا الى الحديقة.
وخرجنا الى الحديقة التي عبرها الخريف قبلنا، فالقى باوراق الشجر، يصنع منها بساطاً يفرش به ممرات الحديقة، واشاع في الاوراق التي مازلات معلقة بالغصون حمرة كلون الشفق ساعة الغروب.
واخرج اينشتين “غليونا” من جيبه، دسه تحت شعر شاربه الكثيف، ومضى بلوكه بين اسنانه دون ان يشعله، وسرنا خطوات في الحديقة وانشتين بطا بقدميه الاوراق المتساقطة، ويصغي باهتمام الى الحفيف الذي يصدر من خطواته على الاوراق الجافة الحمراء والتفت الي وقال:
– هه.. اظنك سوف تسألني عن القنبلة الذرية.
ونزع العالم غليونه من تحت شعر شاربه الكثيف وقال:
يظهر ان الناس يشغلون بالهم بالافاق الواسعة التي يمكن أن يؤدي اليها تفجير الذرة في ميادين السلام، أما القنبلة الذرية وهي اتفه اثر لتفجير الذرة، فان الناس جميعاً يسألون عنها ويهتمون بكل التفصيلات المتعلقة بها.
ومضى انيشتين يقول:
هل تعلم، لقد كنت اعتقد ان اثر القنبلة الذرية المدمرة سيرد الى العالم عقله الذي فقده، ولكني لم اتصور ابداً ان هذه القنبلة ستكون فاتحة شهية لحرب مقبلة!
وسكت انيشتين، وراح من جديد يصغي الى وقع خطواته فوق الاوراق الجافة التي القاها الخريف على ممرات الحديقة في جامعة برنستون، ثم عاد يقول:
لقد اصبحت اعتقد ان فلاسفة اليونان القدماء اعقل من علماء العصر الحديث، فان هؤلاء الفلاسفة بدأوا يرتادون افاق الفكر الطليق، احسوا ان افكارهم يجب الا تتسرب الى الجماهير.
لقد شعروا ان الفكر الطليق، مالم يكن في جماجم متزنة، سوف يؤدي الى فوضى شاملة، ومن هنا رأوا ان يحيطوا فلسفتهم بأستار من الغموض تكفل ان تصد عنها سطحية الجماهير!
ولكن العلماء في العصر الحديث كانوا اقل فهما.. وحذراً.
ظنوا ان الاجيال الطويلة المتعاقبة غيرت طبيعة البشر، وهكذا تسرب السر الكبير ليصبح في تناول الايدي الطائشة.
وفي رأيي انه مالم تعقل هذه الايدي فان الذي كان يخشاه فلاسفة اليونان في الزمن القديم، سوف يتحقق في هذا العصر الذي نعيش فيه.
كانوا يخشون الفوضى الشاملة.. وهذا هو نفس الخطر الذي يهدد مصير البشر الآن.
ومضى انيشتين:
احياناً يخيل الى انه كان يجب على علماء العصر الحديث ان يضعوا كل ما توصلوا اليه عن تفجير الذرة في وعاء معدني يدفنونه في الارض بحيث تعثر عليه اجيال مقبلة من البشر بعد الاف السنين.
ويتركوا مع هذا السر الكبير رسالة يقولون فيها:
هذا ما توصلنا اليه منذ الاف السنين ولكننا نظرنا حولنا فوجدنا غرائز البشر اكبر من عقولهم، وخفنا منهم على انفسهم فأثرنا ان ندفن هذه الاسرار، حتى يجيء جيل يستطيع ان يحقق شيئاً من التوازن بين عقله وغريزاته، ويستطيع ان يعرف السر دون ان يمزق صدره بهذه المعرفة، وان يملك القوة دون ان يدمر بها نفسه.