المكتبة العصرية.. الميسانية التي تشبه شجرة الخلود

269

اية منصور /

كلما توسوسني نفسي “الأمّارة بالسوء” بالانتقال لموضوع آخر غير المكتبات، حتى يذكرني أحدهم بمكتبة عريقة أخرى لم نتطرق إليها حتى الآن، فالعراق مكتبة كبيرة من الثقافة، من شماله إلى جنوبه.
هذه المرة سنذهب إلى جنوب العراق صوب ميسان، تلك المدينة الوادعة، لنسترجع ذكريات واحدة من أشهر مكتباتها، المكتبة العصرية، هذه المكتبة التي كانت منذ ولادتها في العام 1929، وما زالت حتى يومنا هذا، ترفد الشارع الثقافي الميساني والعراقي بكتبها وإصداراتها.

يحدثنا السيد حيدر حسين عن مكتبته التي أبصرت النور العام 1929: كانت المكتبة فرعاً للمكتبة العصرية الشهيرة في بغداد، والتي تأسست العام 1914 من قبل محمود حلمي، وكان يدير المكتبة السيد عبد الرحمن الرحماني في حينها، وبقيت المكتبة في نفس مكانها تقريباً في تقاطع السوق الكبير مع شارع المعارف على الرغم من التوسعات والتغيرات المستمرة التي طالت السوق عقب الحريقين الهائلين اللذين التهما السوق مطلع سبعينات القرن الماضي.
وكانت مهمتي هي شراء الصحف والمجلات من الفرع الرئيس وبيعها في مدينتي العمارة، واعتمدت على ما أربحه من هذه المهنة في توفير أجور دراستي، إذ كنا نبيع الصحف التي صدرت منذ يومين أو ثلاثة، أحياناً بسبب تأخر الطباعة أو تأخر وصولها إلينا، كنت أبحث عن القراء في كل شارع ومكان، وكان عدد الصحف المباعة في وقتها قليلاً جداً وحصرياً لمن تسمح لهم ظروفهم باقتناء الصحف. اضافة إلى هذا، فقد كانت قراءة الصحف ممكنة عن طريق الإيجار، وذلك بدفع مبلغ بسيط وقراءة الصحيفة ثم إرجاعها إليّ.
يستمر السيد حيدر حسين: استمرت المكتبة ببيع الصحف والكتب المدرسية عندما كان التعليم غير مجاني في العراق، وفي العام 1954 أراد الحاج الرحماني تطوير المكتبة، فأضاف إلى المكتبة مطبعة لطباعة الكارتات وبطاقات الدعوات الخاصة وغيرها، وفي تلك الفترة بدأت بالعمل داخل المطبعة، وبعد عشر سنوات، فضل الحاج عبد الرحيم الرحماني مغادرة العمارة باتجاه بغداد فتحولت ملكية المكتبة باتفاق خاص إليّ، وأصبحت تحت إشرافي حتى لحظتنا هذه.
بعدها قمت بتطوير المكتبة وفهرست الكتب الموجودة فيها، وأضفت إليها الكثير، من خلال تعاملنا المستمر مع الوكلاء في الوطن العربي والعراق لإرسال المطبوعات الحديثة، لنجعل المكتبة هي الوكيل الوحيد لبيع الصحف داخل مدينة العمارة.
لذلك فإن المكتبة تمتلك الآن أرشيفاً بالصحف القديمة والتي كان بعضها يصدر في ميسان كالميزان والكحلاء ومجلة الوعي الحر إضافة الى صحف ومجلات أخرى صدرت خلال القرن المنصرم.
ذكريات
يضيف السيد حيدر حسين: أغلب أدباء وفناني المحافظة لهم علاقات طيبة بالمكتبة وهم يلقون فيها الترحيب والمساعدة حتى أننا كإسهامة في دعم مؤلفاتهم نبيعها دون أي ربح، ونقدم لهم العون عند أصدقائنا الناشرين في بغداد.. وفي الوقت نفسه لاننسى تلك النسخ المهداة من مؤلفاتهم التي تحمل عبارات الود والمحبة، وأذكر منهم القاص والروائي عبد الرزاق المطلبي والشاعر الراحل محمد شمسي والقاص والروائي عبد عون الروضان والشاعر عيسى حسن الياسري والقاص والروائي محمد شاكر السبع والفنان والكاتب شوكت الربيعي… وآخرون ممن هم الآن في بغداد وميسان وربما تطول القائمة بذكرهم، وأكثرهم ذكروا المكتبة بقصائدهم وأعمالهم الأدبية والفنية.
وكان لابد لزائري مدينة العمارة من الشخصيات الثقافية والأدبية والسياسية من زيارة هذه المكتبة، فقد زارها الراحل الكبير حقي الشبلي عندما كان يأتي إلى العمارة في جولات تفتيشية، كذلك الأستاذ عبد الرزاق الحسني وعبد القادر الحسيني، فكانوا ينتهزون الفرصة عند زيارتهم للمدينة ويمرون بالمكتبة ويأخذون الصحف والمجلات والكتب، ومن الذكريات عن شاعر العرب محمد مهدي الجواهري أنه عندما أبعد إلى العمارة سنة 1957، سكن في مدينة علي الغربي وأعطي قطعة زراعية فيها، وكان يأتي إلى مدينة العمارة باستمرار ويشتري منّا الصحف والمجلات.
من مكتبة إلى دار نشر
يقول السيد حيدر حسين: بدأنا بتطوير عمل المكتبة من خلال عملنا كدار نشر، فكانت باكورة أعمالنا كتاب “سلاماً أيتها الأهوار”، وكتاب “تاريخ وعشائر العمارة”، وكتاب الشيخ جعفر النقدي عن السيدة زينب الذي طبع في الأربعينات من القرن الماضي واليوم نعيد طباعته مع كتب كثيرة أخرى.
قرّاء وقرّاء
يرى السيد حيدر أن القارئ آنذاك كان ممتازاً ونهماً، لكن القراءة بدأت بالتراجع شيئاً فشيئاً بمرور الوقت، فالمكتبة التي كانت متخمة بعشرات الآلاف من العناوين والإصدارات المهمة تكتفي اليوم ببيع المجلات والصحف.
يضيف السيد حيدر: كنا نبيع كل شيء، حتى الكتب الثمينة، وبأعداد كبيرة لكننا الآن نبيع الدوريات مثل المجلات والجرائد، فقد كانت الحركة الأدبية في هذه المدينة تعتمد على الكتب والمجلات والصحف، وكنا نبيع بكميات كبيرة قديماً، وكانت الأحداث السياسية والاجتماعية هي التي تحدد نوع الطلب على الكتب، ولكن يبقى الكتاب الأدبي والتاريخي والديني هو الأكثر شيوعاً وطلباً، أما اليوم فتوجد حركة ثقافية ولكن باتجاه حداثوي، وكان الكثير من الأدباء والمثقفين يزورون المكتبة يومياً ليتزودوا بالكتب والمجلات، وكان من رواد المكتبة المرحوم خليل رشيد والد الفنان فاضل خليل بالرغم من أنه كان حلاقاً إلا أن محله كان منتدى أدبياً ولقاءً ثقافياً بين المثقفين، وهذه المكتبة كانت مجلساً أدبياً لاجتماع الأدباء والمفكرين والمثقفين.
وعن أبرز المكتبات القديمة في مدينة العمارة التي عاصرها، قال السيد حيدر حسين: وصلت أعداد المكتبات في العمارة وحدها إلى 27 مكتبة أشهرها مكتبة الغد للسيد شاكر الهاشمي، ومكتبة النجاح للشيخ ميرزا الأنصاري الذي اختص بالكتب الدينية.
أخيراً
اختزلت المكتبة العصرية تاريخ مدينة العمارة منذ عشرات السنين، فقد مر الكثير من الأدباء والصحفيين والقراء والمثقفين والمؤرخين والمؤلفين والأساتذة والمربين من أمامها ونهلوا من كتبها.. وقد تكون المَعلَم الوحيد تقريباً الذي بقي شامخاً وشاخصاً في تلك المدينة العريقة.