الســـــحر .. تعتقد به الشعوب وتختلف في اتقاء شروره

86

باسم عبد الحميد حمودي /

للسحر وجوده في المعتقد الشعبي العام لدى كل الشعوب على تباين ثقافات الناس من بلد الى آخر, لكن ذلك المعتقد الذي لا ترى له أثراً إلا في بعض التصرفات الشخصية، يأخذ مداه في الفكر الشعبي على تباين الزمان والمكان.
البوم في السيارة الألمانية
العين الزرقاء
الكف المتقية للشرور
هذه ثلاثة تصرفات، للمعتقد الشعبي السحري دور كبير فيها, فقد كانت معظم الشعوب الشرقية تكره (البوم) وتتشاءم من صوتها في القفار الموحشة والبساتين المتروكة, لكن دمية صغيرة شكلها شكل البوم تأخذ مكانها أمام سائق السيارة الألماني.. لأنه يتفاءل بوجودها! ترى ما سبب هذا التباين؟ إنه بسبب الاختلاف الثقافي في النظرة الى هذا الطائر وتوارث هذه النظرة من جيل الى جيل.
العين السحرية
وإذا جئت الى البحث في عالم (عين حورس) الدائرية الزرقاء، وفي داخلها المثلث السحري، وجدت اختلافاً في التشكيل الذي يطغى فيه اللون الأزرق، الذي هو لون الماء الرقراق، والذي يتداخل مع اللونين الأحمر والأخضر اللذين يرمزان الى الحظ وطول العمر.
إن (عين حورس) المصرية الفرعونية جاءت من صورتها السردية في أسطورة ايزيس وأوزيريس، التي توضح درامياً أن (حورس) لم يستطع استعادة ملكه من عمه الشرير (سيت) إلا باستخدام العين السحرية التي سميت (عين حورس)، وهي عين تكون داعية لطول العمر ورصانة التكوين الشبيه بتكوين الأهرام وقاعدتها المثلثة, وبذلك تتداخل الأشكال الهندسية للدائرة والمثلث ومتوازي الأضلاع, لكنه تداخل سحري أفادت منه السوق التركية للسحر اليوم.. كيف كان ذلك؟
تركيا والعين الزرقاء
حول سوقا (الخردة فروش) و(الأنتيكات )التركيان الخرزة الزرقاء الى أيقونة عالمية اعترفت بها اليونسكو واحتسبتها لصالح المأثور الشعبي التركي، رغم أن العين الزرقاء التي تتداعى مع عين حورس المصرية تعد تداخلاً فولكلورياً عالمياً بدأ عند الفراعنة ووصل الى :
الدولار الأمريكي
أذا أمعنت النظر في الصورة الخلفية للدولار الأمريكي الحالي، لوجدت أن عين حورس الزرقاء تتداخل، كخلفية واضحة، مع القياسات الرياضية الماسونية، مثل الدائرة والمثلث والأدوات الأخرى على وفق التصميم الذي وضعه بنجامين فرانكلين لصورة الدولار الواحد وبعض أقيامه المتعددة.
الخرزة الزرقاء
قبل اشتقاقات عين حورس ومرادفاتها، مثل العين الزرقاء، كان البشر في إفريقيا السمراء، وفي آسيا، ينحتون خرزاً يلونونها باللون الأزرق، أو ينحتون الصخر من الجبال الراسية التي يجدون الزرقة في بعض أعراقها وصخورها, وهم يثقبون هذه الخرز ويكونون منها مسبحات تتقلدها النساء، أو قلائد للزينة أيضاً, إضافة الى صناعة أساور شعبية منها للصغار والكبار، اتقاءً للحسد ودفعاً للشر وتجميلاً أيضاً!
معوذات الإنسان اليوم
الخوف من الحسد واتقاء شروره سمة اجتماعية عامة للبشر، قديماً وحديثاً، وقد كانت (كف مريم) عند اليهود تلعب دوراً رئيساً في اتقاء شر الحاسد، و(مريم) هي أخت النبي موسى عندهم, كما هي السيدة العذراء عند المسيحيين.
أما عند المسلمين فتسمى هذه الكف، التي تمنع الأذى والشرور وتعلق على أبواب المنازل وداخل البيوت (كف فاطمة)، نسبة إلى السيدة فاطمة بنت محمد (عليهما الصلاة والسلام), ومن ذلك اكتسبت (كف فاطمة) تلك القدسية والإيمان بقدرتها على دفع الشرور.
ويذهب بعض الباحثين الى أن هذه الكف التي تحمل الأصابع الخمسة تعد تميمة إسلامية تشير الى معوذات سورة الفلق في القرآن الكريم التي جاء نصها:
( بسم الله الرحمن الرحيم- قل أعوذ برب الفلق –من شر ما خلق – ومن شر غاسق أذا وقب – ومن شر النفاثات في العقد – ومن شر حاسد أذا حسد).
والنص القرآني واضح وصريح في تفاصيله التي تتجلى في الآية الخامسة، وفيها إيضاح شر الحاسد أذا حسد, باعتبار أن الحسد يملك قوة سلبية تتجسد في الحاسد وشروره.

الرقية السحرية الكاشفة
وتسمى أيضاً الرقية الشرعية، إذ يتلو العارف بها الآيات القرآنية الكريمة التي تمنع السحر وتبعده عن الشخص المصاب, أي أن قراءة هذه الرقية المكونة من عدد من الآيات والأدعية ترفع الأذى عن المصاب, وقد يستخدم الإنسان الرقية للتحصين ومنع الأذى السحري قبل وقوعه.
السحر في عالم الأمس
تعد بحوث الباحث العراقي المهم الدكتور خزعل الماجدي، في علوم الحضارات والشعوب والأديان، بحوثاً تستدعي الانتباه والإشادة سواء اختلفنا مع بعض تفصيلاتها واقتراحاتها الفكرية، او اتفقنا معها.
وفي كتاب مهم للماجدي عن (السحر) وعالمه الغريب، الذي يتناوله علم الفولكلور كنشاط إنساني دون إدانة أو تأييد, نجد أن علماء الفولكلور، على اختلاف مدارسهم، يؤكدون القول إن السحر موجود منذ آلاف السنين وفق (تمثلات) متعددة قبل ظهور الأديان.

قوة مؤثرة
ويعد الماجدي أن للسحر قوة مؤثرة على من يؤمن به ومن يتبع وصايا الساحر او معتقداته الروحية التي يمارسها وجاهاً, والتمائمية نوع من أنواع المعتقد السحري, وهي تقف عند الماجدي على الاعتقاد بقوة الحجر وقدراته السحرية.
وللتميمة (الفيتش) قدراتها الإيحائية السحرية التي بدأت مع عالم السحر القديم واستمرت بعض مظاهرها حتى يومنا هذا.
وتأتي الشامانية صورة ثانية للسحر القديم، التي تعتمد أساساً على وجود (الشامان)، وهو الساحر الذي يقود المجموعة البشرية القديمة في بلدان الأسكيمو وإفريقيا ووسط آسيا، ويتحكم في سلوك الأفراد والجماعات ويمنحهم الرضا والسعادة، او يقوم بعقابهم بشتى الطرق.

أنواع أخرى
وللسحر أنواع أخرى لها تأثيرها على المجموعات البشرية قديما وحديثاً، مثل الأرواحية التي تعتمد القناعة بوجود الروح في كل شيء, في الشجرة والمياه والصخر والحيوان.
وتجد في فلسفة السحر الطوطمي الذي يعتمد المحرم (التابو) صورة سحرية أخرى, كما تجد الانفتاح النسبي عبر إيجاد الآلهة الموصوفة الظاهرة مثل بعل واللات والعزى، وقبلهم مردوخ وسيت ومئات الأشكال الصنمية التي عبدت في مختلف أرجاء العالم القديم، حتى جاءت الأديان السماوية بفعل الإرادة الربانية لتنهي صورة هذا التشتت الاعتقادي, والاحتكام الى عبادة الله الواحد الأحد.