أفكار صديقتي المرأة خالقة المجتمع الذكوري!

408

منير عتيبة /

صديقتي امرأة نادرة، هي جميلة، وتدرك ذلك، وتمنح جمالها ما يستحق من عناية، فلا تهمله حد البشاعة، ولا تدلـله لدرجة الإفراط، وهي واسعة الاطلاع أيضاً، تقرأ في علم النفس والاجتماع والتاريخ والأديان والأدب والفنون بأنواعها، كنت أقرأ مقالاً عن التحرش في العالم، وهالني أن بعض الدراسات تضع دولة عربية في المركز الثالث من حيث أعداد النساء اللائي يتعرضن للتحرش فيها، ودراسة أخرى تضع دولة عربية ثانية باعتبارها ثاني أسوأ دولة في العالم فيما يخص التحرش بالنساء.

قالت صديقتي: ظاهرة التحرش بالنساء هي التعبير الأكثر فجاجة وخطورة عن ذكورية مجتمعاتنا العربية، فالمجتمع يعطى للذكر منذ مولده، وربما قبل مولده حقوقاً لا يمنحها للأنثى.
قلت لها متعجباً: سنتناقش فيما يعطيه المجتمع للذكر بعد أن يولد، لكن ماذا يأخذ قبل مولده؟
قالت: يأخذ الأهمية، هو كائن مهم ينتظره المجتمع من قبل مولده، هو أمل تريده النساء وينتظره الرجال، لذلك عندما يولد يكون الاحتفال بقدومه الميمون أكبر وأكثر بذخاً وفرحاً من الاحتفال بمولد أخته، وهذا ما يترتب عليه كل شيء بعد ذلك. المجتمع يمنح الذكر حقوقاً عديدة تحت مسميات اجتماعية ودينية مختلفة، حقوقاً لم يطلبها، وقد لا يستحق الكثير منها، لكنه يأخذها كحق إلهي، أما الأنثي فعليها أن تناضل في كل لحظة لتأخذ بعض حقوقها، بل ليُنظر إليها فقط على أنها إنسان، وليس كأنثى، لأن الأنثى لدينا ليست إنساناً مساوياً، بل هى إنسان من الدرجة الثانية، وكأن التاريخ لم يتطور، وكأن المتحدثين باسم الأديان لم يتغيروا على مدار آلاف السنين، فاليهود كانوا ينظرون إلى المرأة على أنها شر مطلق، وهي أقل مكانة من البشر، هي مجرد (شيء)، وتعليم المرأة الشريعة كأنك تلقي اللؤلؤ إلى الخنازير، وبعض رجال الدين المسيحي في العصور الوسطي كانوا يرون المرأة أصل الخطيئة، هي التي أغوت آدم الطيب وأخرجته من الجنة، حتى إن الموسوعة البريطانية تشير إلى أن النصائح بالتزام العفّة في (سِفر الأمثال) موجهة للرجال فقط، لأن الرجل ضحية، والمرأة مُغوية، هي مصدر الضلال والإغواء، أليست هذه حجة بعض المدافعين عن التحرش الآن؛ وبعضهم من ذوى العمائم للأسف، عندما يقولون إن المتحرش مسكين، ضحية للمرأة المتبرجة التي خرجت من بيتها سافرة، فاستحقت أن يفعل بها الرجل ما يشاء عقاباً لها، وكأنه بتحرشه مبعوث الإله لحماية الفضيلة، أى منطق مغلوط هذا؟! لكنه ليس منطقاً مغلوطاً في عرف من يقولون به، لأنهم لا يتحدثون بالمنطق أصلاً، إنهم يتحدثون للتأكيد على ذكورية القيم التي تحكم المجتمع، القيم التي تتم تربية الطفل عليها منذ الرضاعة، هو أفضل من أخته وإن كانت أكثر تماسكاً أخلاقياً منه، هو أهم منها وإن كانت متفوقة دراسياً عليه، هي التى تخدمه وإن كانت هي الأكبر سناً، نربي الأطفال الذكور على أنهم في مرتبة أعلى، لذلك لا يجدون غضاضة في التحرش بالفتيات، فلن يفكر أحد في التحرش بمن هو أفضل منه أو بمن هو مساوٍ له، أما الأدنى والأضعف فالعقل والمنطق يسوِّغ التحرش به، وإيلامه، وإيذاءه، من غير تأنيب ضمير، هذا هو العقل والمنطق الذي تتحرك مجتمعاتنا على وفقه، فلنشدد في القوانين التى تعاقب المتحرشين، ولنغرمهم آلاف الدولارات والريالات والجنيهات والدينارات، ولنسجنهم أشهراً أو سنوات، لكن الظاهرة لن تنتهي لأنها ليست مرضاً بل هي عَرَضٌ للمرض الأكبر، مرض ذكورية المجتمع.
توقفت صديقتي عن الكلام قليلاً لتلتقط أنفاسها، كان وجهها محمراً من الانفعال، وفي عينيها بريق يشبه الدموع، لكن ملامحها كانت حادة كأنها في معركة، وصوتها كان قاطعاً كسيف.. قلت لها: إذن لا أمل؟
قالت: بل الأمل موجود دائماً، الأمر صعب للغاية، لكن لا مستحيل ما دمنا نحيا.
قلت: تطلبين تغيير القيم الحاكمة للمجتمع، ليتخلى عن ذكوريته، هل تريدين العودة إلى المجتمع الأمومي؟
قالت: بل إلى المجتمع الإنساني، أريد مجتمعاً نقيّم فيه الناس على أساس عملهم، علمهم، أخلاقهم، سلوكهم، وليس على أساس الجنس الذي لا يد لأحدهم فيه، لم يختر أحد أن يولد ذكراً أو أنثى، لكنه يختار أن يكون عالماً أو جاهلاً، عاملاً أو كسولاً، ذا أخلاق أو بلا ضمير.
سألتها: ومن سيفعل ذلك؟
قالت: كل ما قلته لك ليس مفاجأة يا صديقي، لكني سأفاجئك بأنني أحمّل المرأة مسؤولية ذكورية المجتمع، فالمرأة هي التي تربي أبناءها الذكور والإناث فتعلي من شأن الأولاد على البنات. نحتاج إلى إعادة تربية النساء ليقدّرن أنفسهن حق قدرها، وليربين أبناءهن بدون تفرقة، إذا حدث ذلك ستتفتت ذكورية المجتمع، وستختفي الأعراض التي أنتجها هذا المرض تلقائياً، أو تصل إلى حدودها الدنيا.
قلت لصديقتي: هل تعتقدين أن هذا ممكن الحدوث؟
نظرت في فنجان قهوتها، ثم نظرت إلى سحابة عابرة، وظلت عيناها معلقتين بها، ولم ترد.