“أم البنات”تنتحر لتنقذ بناتها!

672

جميلة الحلفي/

ليست هي الوحيدة، هناك اّخريات مثلها، وجدن انفسهن في ردهات الحروق بالمستشفيات، نساء دفعن حياتهن ثمنا لحياة بناتهن، انها قصص مريرة تبدأ تحت سقوف الفقر وتنتهي في ردهات المستشفيات، لامهات عجزن عن انجاب ولد أو اردن الخلاص من ظلم الأهل أو الزوج فقررن الانتحار، هي حكايات مسكوت عنها تتداولها الالسن سرا في المستشفيات. «الشبكة» تبدأ بنشر هذه القصص المأسوية تباعا.

زواج مبكر

قبل زواجها المبكر عاشت (س) طفولة بريئة تلهو وتلعب وتمرح ببراءة ،غير اّبهة بالفقر وما يخبأه لها المستقبل. ما أن بلغت الرابعة عشرة من عمرها حتى تقدم لها ابن عمتها (ح. ق) وطلب من أهلها يدها وهي لم تعش مرحلة المراهقة ولاتدرك من الزواج الا مظاهر ليلة الفرح. ولانهم اقرباء أولا وفقراء الحال ثانيا فلا مجال للرفض فيما طلب.
تزوجت (س) وانجبت بعد تسعة أشهر بنتا وياليتها لم تنجب حيث غضب زوجها غضبا شديدا واصبح يعاملها بقسوة واحتقار وكانها مصنع للانتاج اخطأ في انتاجه لانه كان يرغب في ان تنجب له ولدا يحمل اسمه وليس بنتا «تجلب له العار» كما يصرخ وهو يواصل نهرها واهانتها.
وبينما كانت تحلم ان تنجب له ولدا ظل زوجها يواصل اهانتها لكن اخبرها انه سيسامحها ان انجبت له ولدا وكأن تحديد المولود بإرادتها، لكن شاءت ارادة الله ان يكون المولود الثاني بنتا ايضا. وهنا اشتد غضب الزوج وزادت معاملته قسوة وامتلأ قلبه بالكراهية لها، فيما هي عاشت حزينة مهانة ومغلوبة على أمرها تتحمل قسوته وكراهيته وعاشت على أمل جديد ان تنجب ولدا ينتشلها من قسوة العيش مع زوج ظالم.

لاتنفع زوجة!

مرت الأيام كئيبة منهكة حتى حملت (س) مرة أخرى لكن احلامها تبخرت بعد مرور خمسة اشهر من الحمل ومن خلال الفحص والسونار، تبين انها حامل ببنت وليست ولدا، خافت الزوجة والتزمت الصمت، لكنها استغربت هدوء الزوج حتى وصلوا الدار فأخبرها ان عليها أن تجمع ما لها من ملابس وتحضر بناتها كي يطلقها ويرميها لاهلها، لانها «لا تنفع ان تكون زوجة وكان موقف اهلها مما يحصل اشد ايلاما، ربما بسبب الفقر وعدم قدرتهم على الانفاق على زوجة وبناتها، إذ رفض والدها الطلاق بشدة وهددها هو الآخر بالويل والثبور. احتارت (س) في امرها، أين ستذهب إن طلقها زوجها وما مصير بناتها الثلاث؟

الجنة في النار

وفي لحظة يأس وحيرة قررت (س) الانتحار دون تردد ودون ان تلتفت الى حياة الفقر والذل التي رافقت عمرها. وفعلا أقدمت، بعد أيام، على صب النفط على ثيابها وقامت بحرق نفسها، كي تتخلص من العذاب والظلم، وسارع الأهل الى نقلها الى مستشفى الكرامة وهي في الرمق الأخير، باشر رجال الشرطة في المستشفى التحقيق الابتدائي معها وتأكدوا تماما من انها اقدمت على الانتحار مع سبق الاصرار، أما بالنفط أو الغاز إلا انهم غضوا الطرف عن ذلك، لانهم «يخشون مشكلات الأهل والعشائر» كما يبرر احدهم وبالتالي ربما يدانون ويؤخذ منهم فصل عشائري إن هم تحدثوا عن سبب الانتحار، لانه يعد تدخلا في أمر ابنتهم يمس سمعة وشرف الأهل والعشيرة!!…

اسدال الستار

أسدلت عمتها «والدة زوجها وهي ايضا شقيقة ابيها» الفصل الأخير من قصة «س» المأساوية عندما أخبرت «أم البنات» بإن عليها إخبار الشرطة انها «احترقت بسبب لهيب التنور عندما كانت تحضر للخبز «. لكي يغلق الموضوع ويصان شرف العائلة. وبما ان الزوجة سوف تموت وتقابل ربها فعليها ان تسمع الكلام اكراما لله ولسمعة بناتها هكذا ماتت «أم البنات» وهي مرتاحة لأن بناتها سوف يعشن عند والدهن. بينما تخلصت هي من ظلم الأهل والزوج.

لماذا الانتحار؟

يرى علماء النفس أن العوامل الاقتصادية من أهم الأسباب المباشرة التي تؤدي الى الإقدام على الانتحار، ويؤكد مسؤولون أمنيون وأكاديميون آخرون أن عدد حالات الانتحار شهدت تزايداً محلوظاً خلال السنوات الآخيرة.
ويشير علماء النفس الى إن الشخص الفقير يزداد عنده الإحساس يومياً بالغبن والظلم، فيقدم على الانتحار بعد أن يشعر بالعجز الكامل.
إذن الفقر، التخلف، الدولة والمجتمع، كل هذه العوامل تقف وراء هذه الظاهرة المأساوية.