إنفراد الأطفال.. بوادر لرغبة بتحقيق الذات

404

فؤاد عبد الرزاق الدجيلي/

عدم لعب الطفل مع أقرانه أصبح مثار قلق للعديد من الآباء، ومثار جدل عميق بين الآباء والمربين، بحيث صار الطفل الذي لا يلعب مع أصدقائه، أو الذي لا يدعونه رفاقه إلى اللعب معهم ينظر إليه بإنه طفل غير طبيعي يعاني مظهراً أو أكثر من مظاهر النقص!

وقد يكون طبيعياً في مظاهر سلوكه المختلفة، وتكون علاقاته داخل المدرسة مع زملائه ومعلميه طيبة مرضية، ولكن دعه مثلاً يظهر أية بادرة من بوادر الأكتفاء الذاتي من الناحية الأجتماعية ستجد أن مظاهر القلق تحل في جميع أفراد العائلة.

مبالغات

أن أي طفل له مطلق الحق في أن يكون متوافقاً متكيفاً مع نفسه، مثل توافقه وتكيفه مع الآخرين، ومن حقه أيضاً أن ينفرد بنفسه في المنزل في أوقات معينة، فهو ليس مجبوراً دائماً على أن يظل طوال الوقت يدور في فلك أصدقائه ورفاقه، ونحن في الحقيقة نبالغ في تصوير أهمية الجماعة بالنسبة للطفل عندما نود دائماً أن نراه مختلطاً بها مندمجاً فيها، بدلاً من أن نتركه يحقق رغباته ومشاعره، ويعبر عن طاقاته وحاجاته المختلفة بالصورة التي يراها مناسبة لنفسه. نحن نجبره على أن يظل معتمداً على الجماعة، مندمجاً معها في أغلب الأوقات، من دون أن نشجع فيه ميزة الاستقلال والانفراد، وتحقيق الذات.

ومن الجدير بالذكر أن كل طفل يجب أن يُساعد في أن يجد له مكاناً مناسباً في الجماعات المختلفة، ولكن يجب عليه قبل ذلك أن يعمل على تحقيق ذاتيته، والاستقلال بفرديته قبل أن ينضوي تحت لواء هذه الجماعة ويتطبع بطبائعها، ويسير في ركابها.

ونحن عندما نقلق على مدى النجاح الاجتماعي الذي يحققه طفل الرابعة أو الخامسة، أليس خوفنا قائماً على أساس ما إذا كان يُعدّ مختلفاً عن سائر زملائه أم لا ؟ ونحن دائماً يجب أن نصف كل طفل بإنه منفرد مستقل ذو شخصية لها معالم ومميزات واضحة، ولكن عندما نجده يحقق هذه الصفات، ويبدأ في الاختلاف عن غيره نقلق ونرتبك ونهتم من أجل ذلك!

وأسوأ شيء في هذه المسألة أن الآباء ينفقون سنوات عدة في الاعتقاد بأن أطفالهم لايستطيعون الانفراد بأنفسهم ولو لمجرد لحظة واحدة، وليس لهم أي تعبير منفرد مستقل، ثم الذي يحدث بعد زهاء ستة أشهر هو أننا نجد العائلة نفسها تحذر الطفل لأنه قد بدأ في تنفيذ خططه ورغباته الخاصة، بدلاً من أن يهب نفسه كلها للجماعة التي يعيش فيها، أو ينتمي إليها!

ميول وعادات

وذكرت مصادر علم النفس والتربية أن الطفل الذي تتاح له فرصة الاختيار في أوجه نشاطه المختلفة يستطيع أن يختار عادات عدة في اللعب تتفق اتفاقاً تاماً مع ميوله وأهوائه وطبيعة تكوينها الجسمي والنفسي.

ونحن عندما نشاهد طفلاً صغيراً سعيداً في حياته العائلية والمدرسية، ومتوافقاً مع أصدقائه، ويرغب في بعض الأوقات في الانفراد بنفسه، ومزاولة بعض الألعاب، لايجب علينا أن نقلق من أجل ذلك، فهو عندما يختار ملابس الرجل الهندي ويحمل رمحه ويمثل موقفاً من مواقف الحرب عند الهنود، هو في هذا إنما يعبر عن خيالاته الواسعة، ويبذل طاقة نشاطه الفائقة، ويسير في طريق السير السليم الصحيح.