الإجهاض.. كابوس الأمهات وفاجعة الآباء

771

آية منصور حسن/

يعمد بعض النساء إلى التخلص من أطفالهنّ بكامل إرادتهنّ قبل أن يولدوا، لأسبابٍ قد يراها البعض ضرباً من الجنون أو البطر، بينما تفقد نساء أخريات ثمرات أرحامهنَّ لأسباب صحية أو وراثية فيقضين العمر في حزنٍ على حلم ضاع.

بعضهنّ ينتظرنه العمر كله من دون جدوى, لكنّ نساء أخريات يصبن بالذعر حين يتذكرن أن هناك جنيناً أصبح في أحشائهنّ فيحاولنَ طرد ثمرة أرحامهنّ خارجاً وسلبه الحياة حتى قبل أن يولد.

تتعدد الأسباب التي تجعل من هذه الهبة الإلهية (الجنين) غير مرحَبٍ بها في هذا العالم، فتضطرّ أمه إلى نبذه ميتاً خارج رحمها بموافقتها أحياناً ومن دون علمها أحياناً أخرى. لكن المؤكد أن ألم الإجهاض ـ النفسيّ قبل الجسديّ ـ لا يضاهيه ألم آخر.
الإجهاض لغةً من الجهيض أي الجنين الذي توقف عنوة عن النمو قبل الاكتمال، أو من الجهيض وهو عضو غير مكتمل النمو؛ وفي اللغة يدعى إسقاطاً؛ وهو إِلْقاءُ الأُمِّ لِوَلَدِهَا قَبْلَ الاكْتِمال؛ فهو جهيض. ويسمى التطريح أيضاً، وهو انتهاء الحمل بخروج أو نزع الجنين من الرحم قبل أن يصبح قادراً على الحياة. والإجهاض يمكن أن يحدث تلقائياً بسبب مضاعفات فترة الحمل فيسمى الإجهاض التلقائي. وهناك الإجهاض المستحث الذي يأتي للحفاظ على الحالة الصحية للحامل ويعرف بالإجهاض العلاجي، في حين أن الإجهاض المستحث لأي سبب آخر يعرف بالإجهاض الاختياري. وهذا النوع الأخير هو الذي يشير إليه مصطلح الإجهاض غالباً.

لم أرد رحيله مطلقاً

سلوى التي تبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً انتظرت ثماني سنوات حتى تبشرها الطبيبة بوجود جنين ما داخل بطنها. الأمر الذي دفعها للبقاء في المنزل واخذ إجازة “مرضية” لمدة أربعة اشهر لتحاشي الحركة الزائدة أو الاجهاد غير المطلوب للحفاظ على صحتها وسلامة جنينها.

-اخبرتني الطبيبة أن وضعه غير مستقر وقد يولد مشوهاً. طلبتْ مني ان أقوم بإجهاضه لانه سيولد معتلّاً ضعيفاً وسيكون وضعه الصحيّ متردياً، لكني رفضت وفضلت بقاءه والاعتناء به مهما كانت النتائج. غير اني استيقظت ذات يوم لأجد الدماء قد ملأت سريري. لم أستطع تدارك الأمر. كان صغيري قد خرج مني وكأنه لم يحب الوجود داخل رحمي. ثم بعد ذلك أخبرتني الطبيبة انه لم يكن موجوداً في الرحم، بل كان ينمو خارجه ولهذا سقط.

سلوى تحلم اليوم بإعادة تكرار تجربة الحمل التي انتظرتها طويلاً ولم تعشها سوى عدة أشهر قصيرة.

-مررت بأزمة نفسية لم تداهمني هكذا من قبل. كرهت زوجي وعائلتي وجيراني وأصدقائي والعمل وحتى سريري. انه شعور تعيس للغاية ولا أتمنى لأمراة ان تجربه يوماً.
ب

ين نادية وأبي العلاء المعرّي

أما نادية التي أجهضت ثلاثة من أطفالها تباعاً فأخبرتني ببرود غريب، عن قدرتها على فعل هذا الأمر والمساهمة بقتل أجنّة يحلم كثير من الناس بالحصول عليهم. لكن لنادية رأيها الخاصّ الذي يجدر بنا أن نسمعه:

-أعرف أنكِ، مثل كثيرين، قد تشعرين بالقرف مني الآن لقيامي بإجهاض نفسي مرات عدّة، وأعلم أني أبدو قاتلة أو على الأقلّ كافرة بنعمة الله التي وهبني إياها، لكنْ لمن أنجبهم؟ لهذه الحياة؟ أنجبت بنتاً واحدة وأنا نادمة كثيراً لذلك، أخشى عليها من ظلّي ولا أستطيع تخيّل أني قد أموت يوماً وتبقى ابنتي وحيدة، هل تصدقين اني أحياناً أتمنى موتها قبلي ليتسنى لي الاطمئنان عليها!. نعم أخاف على من أحبّ كثيراً، ولأني أحب أبنائي قررت عدم إنجابهم والمجيء بهم إلى هذا العالم مطلقاً.
نادية، بحكمتها الغريبة هذه، ذكرتني بالشاعر العربيّ أبي العلاء المعريّ الذي قرر أن لا يتزوج وأن لا ينجب ابناء حيث قال:

أكرمتُ أبنائي فهم في نعمة العدمِ!

تتمنى نادية لو انها كانت عقيمة لكنها تعود وتحبل بصورة طبيعية ولا تدرك ذلك حتى تأتيها الأعراض الخاصة بالحمل وقد يبدو كلامها، ككلام المعرّي، غير منطقيّ، إلا لمن يتفهمها ويعذرها.

تختم نادية: لن أنجب أبناء لتأخذهم مني سيارة مفخخة.

وتضحك.. ولكنه ضحك كالبكاء.

الوجع مهنة الأمهات

إنه الألم النفسي الذي يظل ملازماً لنا، قابعاً في أعماق أرواحنا بعد خسارتنا شيئا ما فكيف بخسارة روحٍ كنا ننتظرها بشغف؟

– بعد تعرض زوجي لحادث سيارة أصبت بصدمة كبيرة جرّاء خوفي، ما تسبب بسقوط الجنين مني بصورة سريعة جداً. كان يوماً مأساوياً، نجا زوجي بأعجوبة لكنّ جنيني فارق الحياة، وكأنه كان على أحد ما الرحيل. الألم الجسدي ذهب بعد عدة أيام لكن الغصة التي شعرت بها أول مرة عندما أخبروني بموته لا تزال كما هي في داخلي.
هكذا تسرد ديما واقعة إجهاضها وتضيف:

بعدها حبلت وأنجبت لكني كلما تذكرت ذلك اليوم غرقت في البكاء، حتى اني كثيراً ما همستُ لطفلتي في أذنها ان لها أخاً كان سيأتي قبلها ويصبح اخاها الأكبر لكن قدراً مشؤوماً حال دون ذلك.

ديما ترى أن الإجهاض هو موت آخر للأم، وأن التعاسة التي تصيبها حين يموت جنينها في رحمها لا تختلف كثيراً عن تعاسة من تفقد طفلاً أنجبته وربته، ولا يختلف فقد طفل عن طفل سواء أكان عمره سنوات أم يوماً واحداً فقط! تقول ديما:

-الابن يبقى ابناً، اذا كان عمره يوماً او خمسين سنة. هذه الروح لا تشعر بها سوى الأمهات. الآباء كذلك لكنهم لا يرتبطون مع أولادهم بحبل سري صغير يصلهم من خلاله هواءنا وطعامنا. وحين تعبّر عن حزنك يظن البعض انك تبالغ في هذا الأمر قائلين لك إنه مجرد “جنين” وهؤلاء لا يعلمون أنك فقدت روحاً عاشت معك وشعرت بدبيب الحياة فيه وهو بداخلك، وسمعت نبض قلبه وتخيلت مراراً كيف سيكون شكله وفكرت مطولاً في اختيار اسم له، ثم فجأة ينتهي كلّ شيء!

بتّ أكره زوجي

نبراس هي الأخرى أجهضت ثلاث مرات أيضاً، وفي كل مرة تؤكد الطبيبة لها أن جرثومة ما قد قتلت الجنين. ومع الأدوية يتبقى الجنين لشهر أو اثنين ثم تنطفئ شمعته ويسقط ملتحقاً بأخوته الذين لم يولدوا.

لقد عشت جحيماً، صرت أخشى تقرّب زوجي مني ومحاولاتنا إنجاب طفل لأن الوجع النفسي سيتكرر وبصورة مضاعفة. كلما خسرت طفلاً خسرت جزءاً كبيراً من روحي، حتى قررت أن أوقف هذه المحاولات وأن لا أفكر في الموضوع. يكفي أن لديّ الآن ثلاثة أطفال ماتوا حتى دون أن أراهم.

أخبرتني نبراس عن المشاكل التي تواجهها مع زوجها كلّ مرة بسبب هذا الموضوع حتى انهما وصلا إلى قرار الطلاق عدة مرات.

-هذا الأمر جعلني أكره روحي، وأبدأ دون وعي مني بافتعال المشاكل مع زوجي الذي يحمّل رحمي أحيانا مسؤولية عدم القدرة على المحافظة على أطفالنا، ولومه هذا يفقدني أعصابي ويصيبني بهيستيريا، لكنه في الأخير يتفهم أن ذلك ليس ذنبي. أشعر بألمه وأحاول أن استوعب حزنه الخاص، لكنه في كل حال لم يختبر حزني الذي هو أكبر وأعمق، فهو لم يحمل الجنين في أحشائه مثلي!

لكنْ من قال أن الأب لا يتألم؟
سعد خسرت زوجته توأماً، تلتهما طفلة من تؤام آخر ماتت إحداهما وبقيت الأخرى، التي ولدتْ بعد ثلاث أخوة تحولوا إلى ملائكة قبل ان يكونوا بشراً. تحدث عن معاناة الأب الفاقد لأطفاله:

-أنتم على خطأ، يقول سعد، ليست الأم وحدها من يمر بفترة عصيبة، كل رجل ينتظر أن يصبح أباً ليشم رائحة طفله ويستمع لصراخه ليلاً أو حتى يتبول في حضنه. كل هذا الأمور تظل تحلم بها مع زوجتك ثم فجأة تنتهي كل هذه الأحلام بنزيف حادّ يخبرونك بعده أن أحلامك أصبحت هباء. الأمر ليس هيناً أبداً.

يرى سعد أن الطفل هو امتلاء روحي ونفسي، وحالما يفقده المرء يشعر بفراغ كبير لن يكون بمقدور شيء أو أحد أن يملأه.
رأي الطبّ

الطبيبة النسائية تقوى عبد قالت لـ”الشبكة” أن الإجهاض أو سقوط الطفل يعد أمراً طبيعياً جداً، لعدم تقبّل الجسم لهذا الجنين فيقوم بطرده لعدة أسباب منها أن نموه تمّ بصورة غير طبيعية، أو بسبب توقف نموّه أصلاً داخل الرحم، أو لأن الجنين يعاني من عيوب جينية أو تشوهات خطيرة. الطبيبة أضافت أن بعض هذه العيوب وراثية وبعضها ليس كذلك، فقد يكون الأمر متعلقاً بالأمّ أو الأب، وهناك أيضاً عمر الزوجين الذي كلما كان كبيراً زادت احتمال الإجهاض الذي قد يحدث لكون عنق رحم الأم ضعيفاً أو غير محكم الإغلاق ما يجعله عرضه للتمدد والاتساع قبل موعد الولادة بصورة مبكرة. وفي هذه الحالة يحدث الإجهاض عند الأشهر الأربعة الأولى من الحمل، وفي بعض الحالات يحدث قبل أن تدرك الأم بأمر حملها!

حدوث الإجهاض لا يعني مطلقاً فقدان الأم مقدرتها على الحمل مجدداً لكنه يؤثر نفسياً وجسدياً عليها، ما يجعل حملها المقبل مصحوباً بالقلق والخوف. مطلوب من الأمّ إعادة توازنها النفسي مجدداً، والتخلّص من أعراض الكآبة الشديدة التي يتبعها فقدان الشهية وخلل في النوم وتأنيب ضمير مستمر والشعور بالذنب لعدم الحفاظ على الطفل وتوهم أنها سبب موته. عليها تقبل الأمر والاستمرار بالحياة حتى إنجاب طفل آخر سيكون أجمل ممن فقدته.