الالتزام الأخلاقي بالمسؤولية لدى الأبناء أساس بناء الأسرة وتماسكها الاجتماعي

624

فكرة الطائي /

لا يستطيع الآباء، عن قصد أو من دونه، الكف عن النهوض بمسؤوليات الأبناء كافة وعدم تركهم يتحملون مسؤولية قرارتهم وحياتهم الخاصة التي يبغون أن يرسموها لأنفسهم بعيداً عن سلطة الآباء، لذلك يبالغ الآباء في أوقات كثيرة بالشعور المفرط تجاه الأبناء الصغار والكبار على حد سواء…
لكن هولاء الاباء لا يدركون أن حمل الأعباء وتخفيف معاناة أبنائهم سوف يجعل منهم أشخاصاً اتكاليين يشعرون بالخوف والصعوبة من تحمل المسؤولية أو الإقدام على أي فعل فيه شيء من المسؤولية حتى أن بعض الأبناء يعزف عن الزواج لأن في الأمر بناء أسرة من زوجة وزوج وأبناء وهذه مسؤولية إضافية.
قادتني هذه الظاهرة إلى التفكير في كيفية غرس الشعور بالمسؤولية بين أفراد الأسرة الواحدة لكي نبني جيلاً سليماً يمكن الاعتماد عليه مستقبلاً في بناء البلاد والمساهمة في ازدهارها وتقدمها، إذ أن خطوة البناء الأولى تبدأ من الأسرة، فهي النواة الأساسية في المجتمع. دعاني هذا الموضوع إلى مناقشته مع عدد من الآباء للوقوف على بعض مظاهر هذه الحالة، سواء السلبية أم الإيجابية بغية الوصول إلى خطوط عامة لمعالجتها.
الخوف على الأبناء
السيدة زهرة سلمان (مدرّسة، أم لثلاثة أولاد): “خوفي على أولادي دفعني إلى إنجاز الأعمال كافة التي من المفترض أن ينجزوها، هذا حين كان الأولاد صغاراً، لكني بعد أن كبر الأولاد أدركت الخطأ في هذا التصور، ولاسيما أني تربوية يفترض أن أسلك السلوك العلمي في تنشئة أولادي، لكن العاطفة وغريزة الأم غلبتا العلم.”
* كيف تداركتِ هذا الخطأ؟
– حين أدركت أن الأولاد باتوا لا يهتمون بالأعمال الكثيرة التي أعملها لأجلهم، وصاروا يطالبونني جميعاً بتلبية احتياجاتهم، حتى البسيطة منها، قررت بالاتفاق مع زوجي أن أترك البيت مدة قصيرة على أن يوضّح الأب سبب تركي البيت وأن عليهم إصلاح وضعهم وأن يتحمل كل واحد منهم مسؤوليته في البيت ويتولى بنفسه تلبية احتياجاته والواجبات والمهمات التي عليه بمحبة وتعاون وتفاهم فيما بينهم.
الاعتماد على البنات
السيدة كريمة رضا (متقاعدة) تقول إنها تقاعدت مبكراً من أجل رعاية بناتها الخمس وأضافت: رأيت نفسي فجأة بعد وفاة والدهم أمام خمس بنات صغيرات ومسؤوليات كثيرة، جربت في البداية الاعتماد على البنات الأكبر سناً ليتولين الواجبات البيتية أو جزءاً منها، فضلاً عن الأعمال التي تخص أخواتهن الصغيرات، وذلك بغية زيادة الثقة في أنفسهن للاعتماد على النفس في إنجاز معظم الواجبات البيتية وإعدادهن لأن يكنَّ أمهات في المستقبل قادرات على تحمل المسؤوليات العائلية.
أضرار غير منظورة
السيد فارس كريم (كاسب) أفصح عن ملاحظاته على سلوك زوجته في تعاملها مع الأولاد، إذ قال: “تتابع زوجتي كل صغيرة وكبيرة للأولاد حين يعودون من مدراسهم، فهي تتابع جدول الدروس وتحضير مواد اليوم التالي وترتيب خزانات ملابسهم وترتيب فرش نومهم، بمعنى أنها تُعنى بكل صغيرة وكبيرة تخصهم. أفهمتها منذ البداية أن ما تفعله هو تصرف خاطئ وغير تربوي، إلا أنها لم تعر كلامي هذا أي اهتمام.” يتوقف عن الحديث ثم يواصل: “أصيبت زوجتي فجأة بوعكة صحية ألزمتها الفراش أياماً، فغرق البيت في فوضى عارمة، لم يعرف الأولاد كيف يسيّرون أمورهم الصغيرة، حتى أنهم راحوا يلتفون حول سرير والدتهم يطلبون منها النهوض وهي لا تستطيع ذلك. عندها أدركَتْ الخطأ الذي وقعتْ فيه، وسعت إلى تصحيحه، إذ قامت بتوزيع بعض الواجبات الصغيرة على الأبناء لتدريبهم على تحمل المسؤولية وغرس روح العمل الجماعي داخل الأسرة.”
قادتني تلك الحالات والمعالجات الأسرية إلى المتخصصين من أهل العلم لاستمزاج آرائهم، فكان حديثي مع الدكتورة سحر كاظم، التدريسية في قسم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة بغداد، التي قالت: “كلنا نعرف حقيقة أن الأسرة أول عالم يأخذ الطفل منه بصمته الاجتماعية والنفسية، لذلك تكون تنشئة الأبناء وتربيتهم على القيم والمثل من أهم واجبات الأسرة لأنها تزرع البذرة الأولى في النشء الجديد، وكلما كانت الأسرة حانية ومشبعة للجانب الوجداني عند الأبناء كانوا أكثر إحساساً والتزاماً بهذه القيم. من هنا يبدأ الطفل بالتعود على الشعور بالمسؤولية تجاه الوالدين والإخوة داخل الأسرة، فهو مسؤول عن مقابلة المحبة بمشاعر الامتنان والاحترام المتبادل لتسري هذه المسؤولية إلى أبعد من حدود الأسرة وتنطلق نحو الجيران والأصدقاء والمجتمع.”
وترى الدكتورة أن للمسؤولية اتجاهين؛ مادي يتجلى في الواجبات التي ينجزها كل فرد، ومعنوي يتمثل بنوع من الانضباط في السلوك العام للحفاظ على صورة الشخص أمام نفسه أولاً وأمام الآخرين ثانياً، يأتي ذلك مترادفاً مع العمل المشترك بين المؤسسات التي تحيط بالفرد بدءاً من الأسرة وانتهاءً بالقانون العام للمجتمع، فالكل يعمل من زاويته لترسيخ صورة الإحساس بالمسؤولية، في مقدمتها وسائل الإعلام بشتى أنواعها، ولاسيما في هذا الوقت الحساس جداً لما لوسائل التواصل الاجتماعي من سطوة في توجيه الرأي العام وتعبئة الشعور بالمسؤولية نحو الاخلاقيات العالية واحترام الحقوق.
وأكدت الدكتورة سحر في ختام حديثها أنه “كلما كان الاحترام بين الوالدين حاضراً بوضوح وعلى نحو عملي في الوقت نفسه في المساعدة داخل وخارج البيت وأمام أنظار الأبناء، كلما كان ذلك تأكيداً للإحساس بالمسؤولية والألفة والثقة العالية بين الوالدين والأبناء ما يجعل مؤشرات الإحساس بالمسؤولية واضحة بين أعضاء الأسرة.”