التشاؤم والتفاؤل بين الايمان والرفض!

940

حيدر الجابر/

يتشاءم العديد من الناس لاسيما كبار السن من بعض الحيوانات، أو بعض المواقف أو الأوقات، في حين يتفاءلون بحيوانات ومواقف وأحداث أخرى، وهنالك من لايؤمن بهذه المعتقدات وينبذها ويتبنى أفكارا منطقية تستند الى الأحداث والوقائع.

يتشاءم الكثيرون من يوم السبت، وكذلك الرقم (13)، أو من القطة السوداء، وهذا التشاؤم قادم من الغرب وليس فكرة محلية. ولكن هؤلاء قد لا يجدون اي داعٍ للامتعاض من رؤية ارنب أو الذهاب للحلاقة والاستحمام وقت الغروب.

عطسة عطستان

وقد أخذ السفر قديماً جانباً مهماً من المعتقدات الشعبية، فالمسافر قد يغيب شهوراً وربما سنين طويلة، لذلك يحاول أهله استشراف عودته سالماً غانماً، لذلك يكره للمسافر التلفت والنظر الى اهله أو الرجوع بسبب نسيان حاجة ما، وإذا قرر الانطلاق وعطس احدهم فهذا نذير شؤم، بينما تتحول الى فأل حسن اذا كانت عطستان متواليتان، وتسمى عند ذلك “سفرة”. ويرش الماء خلف المسافر ليكون طريق عودته ندياً، بينما تلقى “سبع حجارات” خلف الضيف الثقيل حتى لا يكرر الزيارة!

وتدخل العطسة في اكثر من مجال، فخلال الحديث اذا عطس احدهم فهذا دليل موثوق على ان الحديث صادق، لذلك يسارع المتحدث للقول “هاي بشهادة” وقلبه مليء بالاطمئنان.

الارنب والغراب

أحد الطيور الصغيرة التي تعيش في الارياف، ودائماً ما تطلق صوتاً مميزاً حين تقترب من المياه، هذا الطائر صار اشهر من نار على علم في عالم التشاؤم، انها “الططوة” التي تعد من فصيلة النوارس، والتي تضرب بها الأمثال في الشؤم، حتى قيل “چنه ططوة”. ويماثل “الططوة” الأرنب، إذ تضرب الأمثال بـ”عرضته”، فيقال “عرضة ارنب”، وهذا يعني ان الارنب اذا صادف شخصا فان مشواره سينتهي نهاية سيئة. وقد تتفاجأون اذا علمتم ان الافعى، وعلى الرغم من أنها يرمز لها للشر عموماً، فان عرضتها جيدة على خلاف الارنب، بل ان اعتراضها للمسافر علامة اطمئنان وثقة.

وأشهر من يوصف بالشؤم على مر التاريخ هو “الغراب” المسكين، الذي كان لونه الأسود داعيا لتوجيه اللوم له في كل مصيبة، على الرغم من قلة حيلته، وانه لم يختر لونه الكئيب. وشبيه بالغراب طائر “البومة”، فكما يوصف شخص بانه “غراب”، يقال له “بومة” اذا كان سيءالحظ، أو متهماً بالنحس.

الخيل

ويتفاءل العرب قديماً وحديثاً بالخيل، ولا سيما اذا كانت ناصيتها مليئة بالشعر. وكذلك يتفاءلون بالنخيل وبالسدر، ويتشاءمون في بعض المناطق من نبات الصبار الذي ينبت في الصحراء.

ومن خلال العلاقات الاجتماعية يحاول الانسان استشراف الغيب، فاذا حكتك يدك اليمنى فانك ستقبض نقودا، اما اذا حكتك اليسرى فهذا يعني انك ستدفع النقود وانت صاغر، بينما اذا حكتك احدى ساقيك فان هذا يعني ان احدا ما يغتابك.
ويبتعد الناس في مجتمعنا عن نوم وقت الغروب أو الاستحمام أو الحلاقة فيه، لان هذا يجلب الجنون، ولا سيما الحلاقة، واذا نام طفل وقت المغرب فيتم وضع قليل من الخضراوات عليه لحمايته.

ويصب الناس اهتمامهم على عملية الولادة، اذا يحيطون الرضيع ووالدته باشكال العناية، خوفا عليها من التداعيات النفسية والجسدية، من الخوف أو الحسد، فيضعون أم سبع عيون على الطفل، وكذلك سكينا تحت وسادته، وبعض خرزات يجمعها خيط لحمايته من التهاب الكبد الفايروسي “ابو صفار” مع ان حقنة واحدة في المستوصف كافية لابعاد خطر المرض عنه. ويجب ان لا تزار “النفسة” بثوب جديد وان لا يدخل عليها مسافر أو عروس، والا فانها “تنجبس” هي أو العروس.

واذا (انجبست) المرأة فانها ستتوقف عن الانجاب سبع سنين عددا، ويمكن حل هذه المشكلة من خلال قيامها بفتح عين احد الأموات أو الطيور الميتة، او الاستحمام بصابونة رجل ميت.

كيف تتزوجين سريعا؟

وللعروس طقوس مهمة تبعد عنها سوء التوفيق في حياتها الزوجية، كما ان لديها قوة اسطورية، فاذا حكت عازبة قدمها بقدم عروس فانها تتزوج سريعاً، وهذا يشابه قيام العروس في اوروبا برمي باقة ورد الى صديقاتها غير المتزوجات، وستكون من تلتقط باقة الرود العروس المقبلة.

ويتم حماية العروس عند دخولها بيت الزوجية بذبح دجاجة عند قدميها دفعاً للأذى.

ويجب ان تظل العروس حبيسة غرفتها ثلاثة أيام، وان لا تخرج الا ليلاً، وان تمارس مهامها البيتية بعد السبعة، إذ تقوم اول ما تقوم بكنس البيت.

البيئة والوراثة

للعلم رأي في هذه المعتقدات التي مررنا عليها مرورا سريعا، د . رحيم الساعدي أستاذ الفلسفة والدراسات الاجتماعية في الجامعة المستنصرية يقول ان “التطير والفأل يرتبط بالتشاؤم والتفاؤل بشكل عام، وقد يكون احد أسبابه صورة الوراثة أو البيئة بحكم تفسير علم النفس الإسلامي، فالوراثة تكمن بما يملكه الفرد من تأثير باطني أخذه من المصدر الرئيس الذي ينتمي إليه ومنه، أما الأثر البيئي فذلك يعني ان الفرد سمع من أهله أو المقربين عليه”، وأضاف “وما زالت لدينا في مجتمعاتنا المحلية من يعتقد ان الثالث والثالث عشر هو يوم شؤم، بإرجاعهم ذلك الشؤم الى احد أجدادهم القدماء، مع ان بريطانيا تتشاءم من الرقم 13 بحكم كون يهوذا هو التلميذ الثالث عشر لعيسى المسيح (ع) والذي خانه وسلمه فكان مصدر كره الغرب للرقم”.

ويتابع د. رحيم الساعدي ان “التطير والتشاؤم يعبر عن نوع من القلق الوجودي والنفسي وهو نوع من فوبيا المستقبل كما أفهم، وهو غالبا ما يرتبط بالحاجة، وإلا فان الأغنياء مثلا قد يرتابون او يتشاءمون لكنه تشاؤم الخائف من مصير طموحاته وأحلامه وثروته، أما الفقراء فان خوفهم وتطيرهم انما هو ايضا للحفاظ على مكتسبات بسيطة تتبع البيئة التي يعيش بها، فالخوف والتطير قد ينبعان من تعويد أو تنمية ذلك الخوف فتصبح ثقافة رائجة وصنعة ثقافية سلبية كما يحدث مثلا مع الفيلسوف شوبنهاور والتي أصبحت فلسفة فيما بعد”، ويبين “يكون على هذا النحو أساسها العدوى فهي مسألة تشيع بشكل سريع، ولا سيما في الأوساط قليلة الثقافة والإيمان، وحتى هذه المسألة فهي نسبية، فانا اعرف ان بعض السياسيين يلبس خاتماً لبسه وزير سابق أو انه يدخن ناركيلة استخدمها وزير سابق وكل هذا لغرض التفاؤل بتحقيق الغاية التي يريدها وهي غاية تعبر عن ضعف في الإيمان والمخيلة والثقافة، حتى ان كان بعض هذه الحالات صحيحا، وبشكل عام فان بعضهم يجعل التفاؤل في خانة التنمية البشرية والتطير في خانة مغايرة وهو رأي صحيح على نحو ما”. ويؤكد د. الساعدي ان “الحضارات التي صنعها الإنسان سابقا ربما اعتمدت على بعض هذه الأفكار في بدايتها ولكن العامل الذي شيد بناءها انما هو الإمكانية الإنسانية المستمرة من العمل الثابت، لان ذلك يعني الواقع الحقيقي، أما الاستناد الى فكرة وتصور يستندان الى محض الوهم أو الخيال فهو مما لا يقوم ببناء الحضارات ولا الإنسان”.