الثـرثرة مضيعةٌ للوقت وتقليلٌ للهيبة

62

فكرة الطائي /

كثيراً ما يتصدر الجلسات أو النقاشات العائلية في مجتمعات الأقارب والأصدقاء أشخاص يتحدثون في شتى الموضوعات الخاصة والعامة في العلوم والفنون وشؤون الحياة والسياسة وفي كل شيء، قد يبهرك حديثهم، لكنك في النهاية لا تمسك بشيء من ذلك الحديث، بل تجده قبض ريح!
وأنا أفكر في كتابة هذا الموضوع، تذكرت أبي -رحمه الله- حين كان يصادف مثل هؤلاء الأشخاص فيصف من يصادفه منهم بـ(أبو العُرّيف)، وكنا نبتسم لأنه ينطقها بسخرية واضحة لكننا لم نكن ندرك معنى هذه التسمية آنذاك، ومع تقدمنا بالعمر أدركناها.
لكن السؤال الذي يمكن أن يثار هنا: هل تقتصر الثرثرة على الرجال؟ أم أنها متفشية لدى النساء أيضاً؟
مصدر إزعاج وملل
يمر في حياتنا كثير من النماذج الثرثارة، نساءً ورجالاً، يتصورون أنفسهم موسوعة في كل شيء وأنهم لابد من أن يصغي لهم الجميع وينتبهوا لما يقولون، هذا ما بدأت به السيدة (سميرة داخل) -موظفة، 58 عاماً- وكانت متذمرة أشد التذمر من هؤلاء الذين كثيراً ما تصادفهم في ميدان العمل وفي المجالس الخاصة، تقول: “إذا ما تحققت من كلامهم الذي قد يستغرق ساعات في موضوعات شتى، تكتشف أنهم يلوكون معلومات خاطئة متداولة لا جديد فيها، ليس سوى كلام مكرر لا فائدة منه، مثل هؤلاء يكونون مصدر إزعاج للجميع وملل وتأخر في إنجاز الأعمال المطلوبة.”
الثرثارون حشريون
حدثني السيد (ماجد كاظم) -موظف، 53 عاماً- عن أنموذج الحشري الذي يدس أنفه في كل قضية لا تعنيه، قائلاً: “توجد معنا في العمل زميلة موظفة، دائماً ما تحشر نفسها في مشاكل أو موضوعات زملائها وزميلاتها وتتدخل في أدق التفاصيل وتقص التفاصيل لزملاء في العمل أو خارجه دون الاكتراث بخصوصيات الآخرين، ما يعرضها للمشاكل وانتقاد الزملاء وتذمرهم من مجالستها.”
حب الذات
الشيخ (محمد عريبي حسين آل يسار) – 51عاماً- يقول: “إن الثرثار هو شخص بعيد عن الواقعية يملك طاقة زائدة ممزوجة بحب الذات واعتقاد بأنه أفضل من الجميع، يحاول دائماً أن يذكر منجزاته، مثل هؤلاء لا يستطيعون مسك ألسنتهم في الوقت المناسب، فيتعرضون للمطبات والسخرية في الأوساط العشائرية التي تعتمد الكلام الموزون الذي يظهر شخصية المتكلم.”
الثـرثرة والوسائل الاتصالية
السيدة (فيحاء خضر الشكري) -متقاعدة، 65 عاماً- تقول: “الثرثرة تدل على جهل صاحبها واهتمامه بالترهات في وقت يعيش الناس ظروفاً صعبة، وهي أيضاً مضيعة للوقت، لكنها أصبحت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة لافتة للنظر، ولاسيما في وقت انتشار فايروس كورونا وفرض حظر التجوال، إذ أصبح الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي أهم الوسائل لشيوع هذه الظاهرة في العلاقات الاجتماعية، ومجالاً للثرثرة الفارغة لقضاء الوقت وتبادل الإشاعات والأخبار الكاذبة والمسموعات غير الحقيقية، إذ يستخدم الهاتف النقال لساعات طوال دون عمل إيجابي، بل ثرثرة ومضيعة وقت فقط.”
عرقلة العمل
“تسبب الثرثرة عرقلة إنجاز كثير من الأعمال الوظيفية، وهو الأمر الذي أعاني منه في ميدان عملي،” هكذا بدأ السيد (كريم مراد فوزي) -موظف، 45 عاماً- حديثه معي وأضاف: “فمثل هذا الثرثار يقف دائماً فوق رأسي وأنا أعمل على حاسبتي لإنجاز بعض الأعمال المطلوبة وظيفياً ولا يتوقف عن الثرثرة في شتى الأمور في داخل العمل أو خارجه، وعندما أُظهر انزعاجي من وقفته وثرثرته يخرج متذمرا وكأنه لم يتسبب في عرقلة أنجاز الأعمال.”
مجبرون على الصمت
أخبرتني السيدة (ابتهال محمد محسن) -ربة بيت، 41 عاماً- أنها كثيراً ما تلتزم الصمت مجبرة أمام الزيارات المفاجئة لجارات ثرثارات، تقول: “اضطر إلى التزام الصمت عندما تأتي لزيارتي جارة لي من دون دعوة وتخوض في أحاديث عدة لا تعني لي شيئاً، كما أنها تخوض في سِيَر جارات لي وهو ما لا أرغب فيه ولا أحب سماعه ويهرب الوقت من بين يدي ويفوتني كثير من الأعمال البيتية التي كان من المفترض إنجازها في ذلك الوقت الضائع.”
في الختام
الدكتور (فاضل محمد الربيعي) -تدريسي، جامعة بابل- حدثني عن سايكولوجية الثرثرة قائلاً: “الثرثرة خاصية نفسية، ففضلاً عن إسهامها في إضعاف الشخص أو الغض من مكانته في مواقف العلاقة والارتباط، فإن ما ينتج عنها من مادة حديث أو معلومات مكررة لا تنفع على الأغلب. وعلاجها على المستوى الفردي بالنصح وحده لا ينفع، بل الأصوب مراجعة الطبيب النفسي. ونجد بين حين وآخر مشاركاً في الجلسة يسهب في الحديث، يعيد الفكرة مرات ومرات، وكأنه يفتش عن أحد يسمعه قسراً، يصف الموجودون إسهابه ومعاودة الأفكار ثرثرة. وقد نصادف شخصاً آخر يقحم في الحديث أفكاراً ومواضيع ليست لها علاقة بأصل الموضوع، وقد يكشف أسراراً ووقائع لا مجال لإقحامها في صلب الموضوع، فهذا الفعل يوصف بأنه ثرثرة. وفي الإعلام نرى أحدهم عارضاً نفسه وكأنه العارف الوحيد ببواطن الأمور، يعيد الفكرة، ويلوك العبارات، ويخلط الأفكار بنحو فوضوي عبثي، فيقال عن أفكاره إنها ثرثرة.
من هذه الوقائع والأوصاف وأمور عديدة تتكرر في مجرى الحياة يمكن القول من وجهة النظر النفسية إن الثرثرة المفرطة هي اضطراب في التواصل والاسترجاع يؤدي إلى الإفراط في الاسترسال وزيادة مستويات التكرار، يراه بعض علماء النفس ضعفاً في آليات الدفاع النفسية، ويصنفه بعضهم الآخر عارضاً لاضطرابات نفسية أو ناتجاً عرضياً لإصابات مرضية.”