الرجلُ النسونچي امرأةٌ واحدةٌ في القلب لا تكفي !

68

آمنة عبد النبي /

يسمونه (الرجل النسونچي) أو (الديك) الذي لا يزالُ نافشاً ريشه ومُصراً على أن امرأة واحدةً في القلبِ لا تكفي، غير آبهٍ بالحملاتِ النسويةِ والقوائم السود المُطالبة بحذفهِ من قائمةِ الأوفياءِ والأحياء.
تُرى ما حكايةُ الرجل الذي يعيش داخل بيته أسداً ويذيق نساءه المُرّ، وفي خارجهِ يتحول حملاً ذكورياً وديعاً، أحقاً أن الهرميةَ الشرقية المتوارثة هي التي كونت شخصيته المكبوتة وأرغمته على مراعاةِ العيبِ المُفرط والتقاليد بلا فلترةٍ ولا تنقيح؟!

تخلف وصبيانية
“هل يستطيع الزوج العيش مع امرأة عينها زائغة؟ لو سأل كل رجل نفسه هذا السؤال لكان الجواب بالنفي، لأن الخيانة بنظره فعل جسدي مؤنث لا أكثر”..
هجوم شفاهي مُباغت، بدأتهُ المهندسة العراقية المُقيمة في ستوكهولم لأكثر من عشرة أعوام (وئام شاكر) مضيفة بانفعالٍ:
“الخيانة فعل جسدي مؤنث حصراً، وهذا خطأ فادح ومُعيب بهويته وبجنسه، لأن الخيانة يمكن أن تكون نظرة أو كلمة غزل أو لمسة أو مجرد اتصال، اما أن نعدها فعلاً قبيحاً في سلوك النساء وعملاً بطولياً في عقليات الذكور فهذا هو الاضطراب بعينه. قبل سنتين خطبني شاب عراقي مغترب، تعارفنا في مدة قصيرة كنت أظنها كافية لأكمل معه ما تبقى من العمر، أتذكر يوم عقد القِران الذي كان في قاعة مناسبات كبيرة وبحضور معارف الطرفين، وبينما نحنُ فرحون ومنشغلون بالإيقاعات والتهاني، كنت أرقب عينيه تطالعان تفاصيل أجساد النساء الحاضرات خِفية، وليت الأمر اقتصر على ذلك بل لمحته (يغمز) إحداهن فلقطته وتركتُ الأمر يمرّ، وحال انتهاء الحفل عدت إلى البيت غاضبة وشرحت لوالدتي ما حدث بعد أن أخذت قراري بحظره من جميع مواقع التواصل الاجتماعي وحذفه خارج حياتي، سلوكه (النسونجي)، في نظري، كان مزمناً لا طارئاً ولا طاقة لي على تحمله.”

اضطراب وحماقة
“موطن العطر هو المرأة، وليس هنالك في الحياة أجمل من النساء ولكن حينما تكون مشاعرهنّ قماراً ذكورياً، فإن الأمر هنا ليس أكثر من اضطراب سلوكي.”
جواب شاعري ومُرهف للشاعر العراقي المُغترب في آيسلندا (حسين الزهيري) أكمله بالقول:
“تتلخص فكرة (النسونجي) بالرجل الذي يعشق النساء ويتقرب منهنّ بشكلٍ مُلح ولا يتخيل فكرة الحياة الخالية من تنوعاتهن، أما سلوكه فلا يتحدد بعمر معين، فلربما كان خمسينياً أو عشرينياً، ومثل هذه الشخصية المُستقتلة على فكرة تزيين حياتها بالإناث، لها طبعاً أسبابها وجذروها الدينية والتربوية والنفسية، لأن الإنسان نتاج ما يتوارثه وينصهر به، فضلاً عن فوبيا الانفتاح الذي حصل في الآونة الأخيرة في منصات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع المنتشرة، الذي سهّل الوصول لكل أنواع النساء المتصيدات والماكرات اللواتي يعتشن على قضية إيهام واستدرار تلك الشخصيات المرهفة والاستفادة منها، ولا أنكر أن الهشاشة الجنسية وعدم قبول الشكل، اللذين يعيشهما الرجل مع زوجته في البيت، هما سببان رئيسان في كثير من حالات الذّكَر المغرِّد خارج السرب، على أن بعض الرجال يحاولون أن يدفعوا شك زوجاتهم عنهم بوضع الخلل فيهن هرباً من المأزق، كل تلك الأسباب مجتمعة تشكل تغذية مُباشرة وغير مباشرة لفكرة الرجل النسونجي.”

فوارق ومزاج
(شذى علك)، المُساعدة الاجتماعية في دائرة السوشيل السويدية، تطرقت إلى محددات صناعة الشخصية باعتبارها نتاجاً لطبيعة الفوارق الثقافية بين المجتمعات، قائلة:
“مرحلة البلوغ والمراهقة تجعل الرجل، السويدي خاصة، والأوروبي عامة، بعد الثلاثين، إنساناً عاطفياً مستقراً مع شريكة واحدة، وذلك بحكمِ عملية التنشئة الأسرية والمجتمعية التي مرّ بها في مراهقته التي تتدرج ما بين إزالة الفروق الاجتماعية والجسمانية كافة مع الفتيات اللواتي يختلط بهن، ويخلق بعد ذلك من تلك الاختلاطات، البعيدة عن الاستغلال، قناعاته المستقلة، على عكس نشأتنا الشرقية التي تُبنى على الكبت والمحاذير، لذلك نجد أن الرجال الشرقيين لا يحسنون العيش بضوابط محددة، والسبب هنا يعود لنشأتهم وفوارقها، في حين أن النساء يتكيفن في البيئة المجتمعية الظالمة قسراً، أو في بيئة أوروبا المؤثثة بالقانون والحياة الكريمة، حتى الميول المزاجية للرجال تختلف عنها في النساء الشرقيات، أنا مثلاً أستطيع أن اُمتع نفسي ولوحدي بفنجان قهوة أو متابعة تلفزيونية، في حين أن الرجل يضجر ويتذمر إذا لم يجد حوله عدداً من النساء، لأن التركيز على جمالية الحياة من زاويته ينحصر بالنساء، مع أن الحياة فيها زوايا أخرى ربما أجمل بإمكانها ملء فراغه وكسر الروتين، وللإنصاف فإن الأمر غير مشروط بالرجال حصراً، فنحنُ معشر النساء لسنا مثاليات ولنا هفواتنا وأمزجتنا المُتقلبة على مدار المراحل العمرية، لكن الفرق ربما يكمن في النضوج وتصحيح المسار المُبكر على عكس الرجل الذي تمتد به الحماقات أحياناً حتى عمر متأخر.”

تناقض ورعونة
“تناقضٌ مَرَضي، خلقته لعنة السوشيل ميديا لدى غالبية الرجال الذين يصولون ويجولون في العوالم الافتراضية، ويتحولون إلى وعّاظ تحت سقوف بيوتهم.”
هكذا بدأ المدون (حيدر الجريخي) حديثه، مضيفاً: “النسونجي يجول ويصول في العوالم الافتراضية التي نقلت له حدود نشاطه من الواقع إلى المواقع، نسخة ذكورية متناقضة تظهر رعونتها على أفراد البيت ونسائه اللواتي يطالهنّ العذاب والسقم من تلك الشخصية المنفلتة خارج بيتها والمتحجرة داخله، في حين أنهُ (جنتلمان) خارج بيته وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ولاسيما بعد أن حاصرتنا شاشات الميديا من ناحية المحتويات والطوابع والتطبيقات المغرية التي تنشرها وتحدثها وصار لها تأثير كبير ومباشر في قلب مفاهيم الفرد والمجتمع عبر المنصات التي تحرك قضايا سياسية واجتماعية وأخلاقية وتؤثر تأثيراً كبيراً في سلوك الإنسان، فالمواقع الإلكترونية دخلت إلى جميع البيوت والنفوس ومسختها”.