الرجل الكتُوم..! صَيَّادُ فضائح أم بِئرٌ عميقة!

626

آمنة عبد النبي /

“أسرعُ وكالة أنباء وفضائح وطشَّة عالمية”.. مقولة تَهكُّمية ساخرة ومتوارثة، يُشار بها وبواقعيةٍ مُرَّة إلى النساءِ اللواتي لا تستقر الأسرار والودائع الشفاهية في أفواههنّ أكثر من دقائق معدودةٍ، علماً أن هنالك في الخفاءِ جيشاً نسوياً ممتعضاً لا يُسمع له صوت لأنه يعدّ الرجل صَيَّاد الفضائح والثرثار الأنيق والبِئر المختصة بطشِّ الأسرار النسوية، لا دفنها وكتمانها، كما يُشاع في المجتمع.. يا ترى ما حكاية صناديق الودائع النسوية التي تتحول فجأة إلى وقودِ حربٍ وخصومة، ولماذا يعدّ الرجل نفسه كامل الأوصاف، القادر وحده على الكتمان العميق في مجتمعٍ شرقيٍ نشأ فيه الجميع على كثيرِ من العاداتِ غير العادلة، أحقاً أن ثمة معارك (ميدياويّة) وقودها الرجل والمرأة معاً؟

ثرثارة وهشّة
“قد تتحدث المرأة مئة كلمة فيُجيبها الرجل بكلمة واحدةٍ، لأنه بصراحة شخص يؤمن بالأفعال والأسرار أكثر من الأقوال والثرثرة، وهذا ما يجعلها في حالة من الهستيريا والتظلم”..
بهذا الاتهام المباشر، البعيد تماماً عن برودة مناخ العاصمة السويدية (ستوكهولم) بدأ المهندس المدني (حميد غسان) رأيه ممتعضاً:
“النساء مخلوقات هشّة لا يمكن ائتمانهنّ على أي سرٍ نظراً لعدم قدرتهن على الاحتفاظ به أكثر من ٢٤ساعة، وأحياناً تطشّ إحداهن كل ما في جعبتها من أسرار بعد دقائقٍ معدودات، ليس هذا فحسب بل إنهن يفشين تلك الأسرار لأشخاص لا يهمّهم الأمر مطلقاً، والسبب في ذلك أن المرأة بطبيعتها ثرثارة، الغضب في شخصيتها ظاهري، وتنطلق بإسهاب دون توقف أو محاذير، بخلاف الرجل الذي يفضّل دائماً الانطواء على نفسه وأسراره، وحتى عندما تحدث بين النساء خصومة وخلاف فإن أبرز أدوات تلك الخصومة والحرب البغيضة هي إفشاء الأسرار والودائع المحفوظة بينهنّ، مما يفترض أن يكون بمنأى عن كل شيء.”

فضائح و ذكورة
“غالبية الأسرار والفضائح أُفشاها الرجال في ثرثرتهم، بل لم نسمع يوماً أن امرأة فضفضت بمصيبة امرأة وجعلتها مُضغة في أفواه الناس”..
ردٌّ رافض وساخر على نظرية الكمال المعشِّشة في عقول كثير من الرجال الشرقيين، على حدِ قول المترجمة (نهار علاء الدين) المقيمة في بريطانيا:
“قضية اتهام المرأة بهذا الكلام الفارغ هو درء لتلك الحقيقة الذكورية أصلاً، علماً أن الرجل ثرثار ومهذار وصياد فضائح! لكن كل ما في الأمر أنه نشأ على أن كل ما يخرج من فمه دُرَر، أو في أسوأ الأحوال خطأ بسيط، وأن لا أحد يقول له توقف. المرأة فقط هي مَن يعترضها الفيتو على كل شيء في مجتمعاتنا الشرقية، ولو لاحظنا أيضاً قضية الطعن والتشهير في مواقع السوشيال ميديا لوجدناها غالباً ما تبدأ وتنتشر وتُشاع بأيدي الرجال ويتلقفها المجتمع الذكوري وأبطاله، كاملو الأوصاف، لم نسمع يوماً أن امرأة فضحت خصوصيات امرأة أخرى، إلاّ ما ندر”.

بئرٌ وبشر
“ربما أسهم الهاتف والإنترنت في إفشاء الأسرار عند المرأة بسببِ كثرةِ منافذ التواصل الاجتماعي التي تُجبرها على الفضفضة، لكن الرجل ليس بمعصوم”..
توازن وهدوء واضحان بدأ بهما الناشط المدني (حسن الكعبي) الذي حاول مسك عصا الاختلاف والتشنج من المنتصف إذ يقول:
“نقل الكلام وإفشاؤه هو إجمالاً تطبع وسلوك إنساني لا علاقة له بجنسٍ دون آخر، فالقضية نسبية، وكثرتها أو قلتها مرتبطتان بمحددات اجتماعية وتربوية. أما قضية التركيز على جنس المرأة أكثر من الرجل فإن الأمر هنا يعود إلى سببين: أولهما أن المرأة هي الكائن الأضعف في المجتمع، ما يجعلها عرضة للاتهامات والسلوكيات السلبية. أما السبب الآخر فله علاقة بمكانة الرجل في هرم القيادة والمسؤولية الاجتماعية التي تعفيه من كل صفة سيئة بحكم رجولته النافذة في البيت بكل الأحوال. وعليه فمن الممكن والوارد اجتماعياً أن يصف زوجته أو يتهمها بأنها ثرثارة، لكن بالمقابل هي لا تستطيع أن ترد عليه بالمثل، بل تأخذ دور المدافع عما ألصق بها فقط، وحتى النضج ومدى تعلقهِ بالقدرة على حفظ الأسرار أو إفشائها فلا صحة له ولا أساس منطقياً لتفسيره لأن الموضوع نفسي بامتياز”.

انسحاق وتوارث
” إن أي إنسان، رجلاً كان أم امرأة ينشأ في أسرة ثرثارة معتادة على نقل الكلام، سوف يستمر الأمر معه حتى نهاية عمره، وإلصاق تهمة الثرثرة بالمرأة فقط هو نقص ذكوري مريض”..
رد فعل ناقم على الانحياز الذكوري، جاء جواب المتخصصة في مجال التحليلات الطبية في مستشفى ستوكهولم (ارجوان داود) قائلة:
“لا علاقة للمرأة بتلك التهمة الظالمة التي هي نتاج طبيعي لسلطة ذكورية متوارثة لا همَّ لها سوى إضعاف شخصية المرأة وتهديمها، تارة بإبراز النقص المضحك في عقلها، وأخرى بتركيز الكلام على شبهات، كضيق وعيها ونضجها وهرولتها خلف إذكاء المشاكل وتدوير الأزمات الأسرية، إنه تكنيك عرفي قديم ومتوارث، ما يزال ساري المفعول في كثير من العقول، مع العلم أن المرأة نقضته بجدارتها المهنية على مستوى العلاقات الشخصية والأسرية وأثبتت جاهزيتها التامة في الحفاظ على أسرار الحياة والبيت والرجل، أنا أعرف نساء بسيطات يكتمن السر ويحفظنَه على مدى طويل”.