الطبخ والكتابة الإبداعية.. دلع المفتي أنموذجاً

172

ورود الموسوي/

ما الكتابة إلا عملية طبخٍ طويلة، فالكاتب الجاد، شاعراً كان أم سارداً، هو في رحلةِ بحث دائمة عن الخلطة الصحيحة لنصوصه وعن المكسرات التي يزين بها نصّه أو البهارات التي يضيفها لنصّه كي تظل مفرداته منتقاة. كما يحرص عادةً على تنقية كل سطر من الشوائب, وينتبه ألف مرة إلى النار التي تغلي عليها الكلمات ويحاول جاهداً (إن كان شاعراً) أن يضيف جمرةً تحت كل كلمة كي تظل جذوتها مشتعلة ولا تبرد!
بالمقابل, الطبخ أيضاً عملية كتابية إبداعية هائلة، فالطباخ الماهر يحتاج دائماً لكتابة كل المقادير في ذهنه أو على الورق. ويحتاج أن يكتب الطبخة ويختبر طعمها في عقله أولاً, ويتخيّـلها ويتذوقها قبل أن يصنعها أو يضع مقاديرها على النار! كما أن الكتابة والطبخ يشتركان بالــ (نَفَس)، فلكل طبّاخ نَفَسَه في الطبخ وكذلك في الكتابة، فلكل كاتب (نَفَسُه) في الكتابة. هذا لو كانا منفصلين, لكن ماذا لو اتحدا عند كاتب واحد؟
أطلّت علينا الكاتبة والروائية والطبّاخة الماهرة (دلع المفتي) بكتاب إبداعي جديد مختلف في صياغته لم يسبقها إليه أحد, ألا وهو كتابها الصادر عن دار كلمات (مطبخ دلع)، هذا الكتاب الأنيق المكتوب بكل حب وحنان وود وألفة ورفق، جمع بين عالمين (الطبخ والقصة)، وهما كل ما تجيده دلع المفتي، فهي روائية لها روايتان وقاصّة بمجموعة قصصية واحدة وكتاب حوى مقالاتها الأسبوعية. وها هي اليوم تفاجئ المكتبات العربية والبيوت العربية بكتابها (مطبخ دلع).
هذا الكتاب يعبّر عن الحياة بواقعيتها، فقصصه لم تنفك تتحدث عن البيئة الحاضنة لنا اليوم، كل بطلات قصصها هنَّ من عالمنا اليومي وكيف يتعاملن مع أبنائهن, أزواجهن من خلال الأكل ووصفات الطعام التي تُحبها العائلة. فالمطبخ يعد الجزء الأساسي في كل بيت، لذا حرصت دلع على تسهيل طبخاتها بذكر المقادير في نهاية كل قصة وأن تزيّن كتابها بصور للطبخات التي ذكرتها كي يتسنى لكل امرأة تحب بيتها وأولادها أن تستعين بمقادير مطبخ دلع.
تقول دلع عن علاقتها بالطبخ:
“تعودتُ الطبخ مهما كان مزاجي, أطبخ وأنا سعيدة.. أطبخ وأنا حزينة أو غاضبة أو ملولة، أطبخ حتى وأنا مريضة,. عندما كُسرت يدي كنت أدخل المطبخ وأطبخ بيد واحدة، وبعد انتهائي من جلسات علاج السرطان كنتُ أدخل المطبخ حالما أعود إلى البيت. كان المطبخ يشعرني أني بخير وأني شفيت وعدت للحياة.” أما فكرة الكتاب فجاءتها بعد طلبات كثيرة من الأهل والأصدقاء الذين ذاقوا طبخاتها، كذلك المتابعين لها على منصة (تويتر) فتقول حول هذا الموضوع:
“وبعد تفكير وتمحيص وتقليب الأمور من جهات عدة، ونزولاً عند رغبة المحبين لبطونهم، مثلي، قررتُ أن أنشر كتاباً مختلفاً، فهو يجمع اثنين من الأمور التي أحبها في هذه الحياة: الطبخ والحكايا.”
روح الكتاب:
منذ أن تطالعك كلمة (زيارة سعيدة لمطبخ دلع) يدخل القارئ عالم دلع الشامي، حيث أصولها وتكوينها الشامي، الذي لم ينفك عنها وعن ذائقتها أبداً، فهي لا تتعطر بغير الياسمين ولا تتحدث إلا بشاميتها الأنيقة فتأخذنا إلى البيت الشامي وتبدأ بسرد حياتها وطفولتها في الشام، وزياراتها لبيت خالتها الشامي العتيق، فنمشي معها إلى منطقة (الشيخ محدين) لنكتشف، فيما بعد، أن المنطقة أخذت تسميتها من اسم العالم المتصوف (الشيخ محيي الدين بن عربي) إذ يوجد مرقده وجامعه وتكيات أهل الذكر.. ثم تعبر بنا إلى السوق حيث مطعم (بوز الجدي)، أشهر بائع فول في دمشق، ثم ترينا بسطات أهل الفواكه وتعبر بنا حتى ماء السبيل الذي تكاد لا تخلو منه الحارات القديمة، مروراً بروائح البن المحمّص والتوابل حتى نصل إلى بيت خالتها الشامي الشامخ الذي عاند كل إغراءات التمدن وظلّ محافظاً على أصالته، والذي وصفته بدقة شديدة. ثم حملتنا معها برفق إلى مطبخ خالتها الذي شغفتها روائحه.
حين يصبح الكاتب جزءاً من المكان والزمان سيخلق بلا شك حاسة شمّه الزمنية الخاصة به والتي يتبعه من أجلها القراء لأنها ستصبح (بصمته) الكتابية.
فحين ترافق دلع في رحلتها بكل هذه الأسواق ستستطيع -عزيزي القارئ- أن تشم رائحة الشام بعبقها القديم، بأفرانها وأرغفتها المعجونة بالحب ومعجناتها التي تلسع يد حاملها، ويمكنك أيضاً لمس روح الشام الأصيلة وناسها الطيبين وكأن دلعاً تُصرّ وتؤكّد على سمة الشام والشاميين وعراقتهم ونجابتهم وحبهم لمطبخهم المعروف بما لذ وطاب، فهي قد وضعت كل حبها للشام في أطباقها التي زيّنت بها مطبخها لترحب بنا في مطبخها الذي أرادته قطعةً من قلب الشام.
مواضيع القصص
عُرفت دلع المفتي منذ بداياتها باهتمامها بالمرأة والمجتمع والتربية ونبذ الكراهية والطائفية وحاربت الفكر المتطرف سنيناً حتى تمَّ التنمّر عليها من قبل المتطرفين، لكنها كانت تحارب بشراسة هذه الأفكار التي من شأنها هدم الوحدة الإنسانية وعرقلة التقدم البشري، فجاءت قصصها مفعمة بالجانب الاجتماعي الإنساني والسياسي الإنساني والثقافي الإنساني، فما يميز قصص دلع هو أنها تنتمي للإنسان أولاً ومن ثم إضافة الأبعاد الأخرى.
ففي قصة (كبّة تيتا) مثلاً نعرف من السطر الأول أن الموضوع محاربة الطائفية:
“كانت تيتا (مريم) لبعض أحفادها وتيتا (ماري) للبعض الآخر.” ورغم أن بطلة القصة هي الكبّة النية، لكن صانعة الكبة هي (ماري أو مريم) التي لديها أحفاد من كل الطوائف، وكثيراً ما تهدئ زوجها إذا ما غضب من هذا التنوع بقولها “كلنا نعبد إلهاً واحداً, كلّ بطريقته, لكننا في النهاية نحن من الله وإليه نعود.” لكن أحفادها وأهلهم على اختلاف مشاربهم وطوائفهم كانوا يتفقون على الكبّة النيّة لتيتا (ماري).
أما في قصة، أو طبخة (محاشي الجيران)، فقد ركزت دلع المفتي على موضوع الخيانة الزوجية، وبذكاء عالٍ لم تدخل في تفاصيل الخيانة، لكنّها بيّنتها باحترافية سردية عالية حين نكتشف أن الجارات منشغلات في صنع المحاشي ما عدا واحدة منهن تأخرت لنكتشف فيما بعد أن زوج بطلة القصة كان عند الجارة المتأخرة!
أما موضوع العنف الأسري فقد تطرقت له من خلال قصة (البريستو = قدر الضغط) وكأن دلعاً حريصة على الربط بين تسميات الطبخات وبين حكاياتها, فقدر الضغط يرمز إلى حياة بطلة القصة التي تصف زوجها العنيف وكأنه يشبه قدر الضغط بانفجاره, بينما كانت تعدّ (المقلوبة) لزوجها السيئ الطباع وهي ترى طبقات حياتها المقلوبة بين طيات طبختها!!
أما قصة (الخبز الحاف) فكانت إنسانية موجعة, إذ ركزت على معاناة اللاجئين السوريين في المخيمات. ومن العنوان يستشعر القارئ جفاف الحلق والجوع والعوز والفقر والحرمان والرضا بأقل القليل. ورغم قلة ما عندهم، كعائلة لاجئة، لكن دلع استطاعت أن تطعمهم بشكل أنيق ولم تتحدث عن المعاناة فقط -رغم المعاناة- لكنها كانت حريصة على رشّ بعض الأمل في أطباقهم الفارغة.
ولأول مرة منذ بدايات دلع الكتابية فسحت المجال لنفسها لتكتب عن أفراد أسرتها بحب عالٍ وحميم، فأعطت حقهم في الطبخات وذكرتهم بالاسم أحياناً وبالتنويه أحياناً أخرى، ولاسيما أنها ذكرت في أول الكتاب أن زوجها طبّاخ ماهر وكان منافساً لها, فكان سِباق الطبخ بينهما حامياً والمستفيد من كل هذا السباق أبناؤهما الأربعة.
لم يفت دلع المفتي أن تضع نكهتها الكويتية الخاصة في مطبخها، ولاسيما أن زوجها كويتي فجاءت قصة (مجبوس الغربة) التي علّمتها لابنها المغترب للدراسة لتقول من خلالها إن الأكل المنزلي الذي يتعلمه أولادنا في غربتهم هو بمثابة خيط متين من الحب والحنان والشوق للبيت والعائلة.
أما قصة (ماما شنو غداكم اليوم) فهي تلخّص حنين الابن المتزوج لطبخات أمه وفرح الأم باستقبال ابنها حتى لو كانت (كنّتها) أحسن شيف بالعالم, وكانت قصة الـ (شيش برك) بمقاديرها وخلطتها السحرية تعيد الحنين إلى بيت الأهل والأكل من يد الأم.
أما البنات الشابات اللواتي يحاولن تعلم الطبخ، فقد خصصت لهنّ قصة أيضاً من خلال قصة (علميني أطبخ) وفيها تشجيع واضح لكل البنات بأن يتعلمن الطبخ بذائقة عالية كما يتعلمن أناقة اللبس وأناقة الكلام.
أما قصة (طبخة الحب) فكانت من أجمل القصص في كتابها، فقد ربطت الحب بالطبخ، تقول:
“لنفترض أن الحب طبخة (فريكة) مثلاً مقاديرها المشاعر والأحاسيس والود والحنان، نضعها في قدر مع قليل من الزيت بعد أن نقلي البصل المفروم نرش عليها بعض بهارات الأشواق والمحبة والآهات، نقلب الفريكة جيداً بالزيت لتتحمّص كما تبدأ قصص الحب عندما (يتقلى) ويتحمّص المحبون على نار الشوق.”
استطاعت دلع من خلال مطبخها / كتابها (مطبخ دلع) أن تقدم لنا وجبةً إبداعية مليئةً بدسم الحب والحنان مصنوعة بمهارة الكاتبة المحترفة التي صقلت موهبتها الإبداعية بشكل جاد فجاء الكتاب متكاملاً من ناحية الشكل والمضمون.