العــــار.. للقتـــل غسلا للــــعار!

643

أ.د. قاسم حسين صالح/

اشارت مواقع الكترونية وكتابات منظمات نسائية الى تزايد حاد في حوادث جرائم الشرف أو (القتل غسلا” للعار). وأورد تقرير لوزارة حقوق الانسان أنه تم قتل ” 25 ” امرأة في محافظة السليمانية وحدها بداعي غسل العار خلال النصف الأول من عام 2007.

ألف ضحية في السنة!

وذكرت مسؤولة المركز الثقافي والإعلام النسوي في السليمانية: “في كل يوم يقتل المزيد من النساء في كردستان بينما تقف السلطات متفرجة ولا تفعل شيئا”. وفي البصرة ذكرت اللجنة الأمنية أن ” 47″ فتاة وامرأة قتلنّ في سنة واحدة تحت بند جرائم الشرف، الأمر الذي يجعلنا نستنتج أن معدل ما يقتل من النساء في كل محافظة بحدود “40” امرأة في السنة، أي ما مجموعه” 700″ امرأة من نساء العراق. واذا اضفنا له اللواتي يقتلنّ ويدفنّ سرّا” أو يرمينّ في الأنهر، وبعض حالات الانتحار التي هي في حقيقتها قتلا”غسلا” للعار، فأن العدد قد يصل الى ألف امرأة في السنة.

وهنالك قصص مأساوية عن هذه الجريمة البشعة. فما زلت أتذكر يوم كنت أمشي في شارع أبي نواس نهاية الستينات فسمعت صرخة فتاة. وحين تجمعنا نحو مصدرها وجدنا شاباً يرفع بيده خنجراً مدّمى وقد غطّى بقميصه الأبيض وجه أخته القتيلة وهو يصيح في حالة من التباهي:(وين اليوصل لابوي.. يبشره غسلت عاره.. ويكله يلبس عكاله ويمشي على طوله بالعشيرة).

الرجم بالحجارة

ولم يغب بعد عن ذاكرة أهل بعشيقة مشهد الفتاة “دعاء” الطالبة بالمرحلة الثانية بمعهد الفنون الجميلة التي رجمت بالحجارة حتى الموت وسط تصفيق هستيري لمتخلفين رعاع، لأنها أحبت شاباً” مسلماً” وهي ايزيدية. ولا يزال أهل السليمانية يتذكرون المرأة ذات الــ 26 عاما” التي لجأت الى أحد ملاجيء النساء هربا” من مطاردة أخيها لها، بعد أن رفضت العريس الذي اختاره لها، فكمن لها أخوها قريباً من الملجأ واودع في جسمها سبع رصاصات. ولم ينس أهل البصرة مقتل الفتاة الجامعية التي اتهمت بعلاقة غرامية مع جندي بريطاني، ولم يبق والدها القاتل في مركز الشرطة سوى ساعتين، وآخرها رسالة وردتني قبل أيام من فتاة اكتشفت أن صديقتها، التي افتقدتها لأسابيع، لم تكن قد سافرت الى الخارج كما اشيع.. بل أنها قتلت ودفنت في حفرة مهجورة لأن أهلها اكتشفوا أن لها علاقة حب!

القتل بتهم كاذبة

والمفارقة أنه تم قتل فتاتين عراقيتين في بريطانيا، واحدة قتلها أبوها والأخرى قتلها عمها بتعليمات من والدها، وحالتان مماثلتان لفتاتين عراقيتين حدثتا في السويد.. وكأن هذا التقليد العشائري المتخلف يظل متحكما بالعراقي حتى لو عاش في أرقى المجتمعات تقدما”. والمفجع أن كثيراً من هؤلاء الفتيات ضحايا بريئات، إذ اثبت الفحص الطبي أنهن لم يفقدنّ شرفهنّ، لتتبين منها كم أن العراقي “المتخلف” تتحكم فيه العصبية وتعطّل عقله فيقتل ابنته أو أخته بمجرد تهمة كاذبة.. ومع ذلك يتساهل معه القانون!.

واللافت، أن هذه الجريمة القبيحة وهي موجودة، أصلاً، في المجتمع العراقي ازدادت الآن، بعكس ما يفترضه منطق التطور الاجتماعي والحضاري، وذلك بسبب الحروب التي أدت الى التفكك الأسري، وشيوع الفوضى التي تشجع على استسهال القتل حيث تقتل النساء ولا يعلن عن فقدانهن، أو أن القاتل يبلّغ عمن قتلها بأنها اختطفت أو ماتت في عملية تفجير، فضلا عن زيادة التساهل في مراكز الشرطة مع الذين يرتكبون “جرائم الشرف” وعودة الثقل العشائري للنظام السياسي وما بينهما من تودد.

ومع أن هذه “الظاهرة” لا ينفرد بها المجتمع العراقي، بل هي موجودة في مجتمعات الخليج ومصر وايران وباكستان… إلا أن العراق ينبغي أن يبادر للقضاء عليها كونه أصبح بلداً “ديمقراطيا” وفيه منظمات للمرأة وحقوق الانسان وربع برلمانه من النساء. وعلى الرجل أن يفهم أن الشرف يكمن في ضميره وأخلاقه وتحضره في موقفه من المرأة، وأن من يحلّ قتل المرأة بدافع الشرف فعليه أن يحل قتل الرجل الذي يخون زوجته ويدنس شرف أخرى.

ولمعالجة هذه الظاهرة، حيث القتيلة والقاتل كلاهما ضحية تقاليد عشائرية سخيفة تتعارض حتى مع الشريعة الإسلامية، فأننا نحتاج أولاً الى دراسات ميدانية تتولاها أقسام الاجتماع وعلم النفس بالجامعات، تقف على أسبابها وتحلل شخصيات القائمين بها، والدوافع التي تقف وراء حالات الانتحار بين النساء، مصحوبة بتوعية مكثفة في وسائل الإعلام، ونشاط أكثر للمنظمات النسائية وحقوق الانسان، تتضافر كلها في عملية تشكل ضغطاً على السلطات الرئاسية الثلاث لتضمين الدستور العراقي نصاً “واضحا” بتشديد العقوبة، ومادة صريحة في القانون الجنائي تعدّ القتل بأسم الشرف جريمة “قتل عمد” مع سبق الاصرار.

إن اراقة دم المرأة لا يغسل العار من وجه قاتلها، بل يصبغه بعارين: التخلف والجريمة. وعار عليناً، شعباً وحكومة، أن نبقى نعدّ القتل غسلاً للعار، فعلاً مبرراً وردّاً للاعتبار.