النزاعات العشائرية تسلب الدولة هيبتها وتهدد استقرارها

503

حيدر الجابر/

مسلحون بزي مدني احتلوا مواقعهم في أكبر ساحات مركز المدينة، وتبادلوا إطلاق النيران بمختلف أنواع الأسلحة لساعات متواصلة، معركة تسببت بإصابة عدد من المدنيين الأبرياء وبرعب السكان، لاسيما الاطفال، فضلاً عن توقف الحياة.

مشهد يتكرر في المدن الجنوبية دون أن تتمكن أجهزة الدولة من التدخل وردع المتجاوزين خشية أن يتعرض منتسبوها الى مايسمى بـ”الكوامة”، وهي عرف عشائري يفرض على عشيرة المنتسب أن تعلن استعدادها لتحمل الأضرار المعنوية والجسدية التي يلحقها أي من أبنائها بأبناء العشائر الأخرى.

لا يخفى على الكثير منا أن سطوة العشائر العراقية، وخصوصاً في المحافظات الجنوبية، أصبحت مثل عبوة ناسفة تمسّ هيبة الدولة بين الحين والآخر، وفي كل نزاع عشائري تكون الحكومات المحلية والدولة الضحية والخاسر الأكبر. وتظهر هذه النزاعات العجز الحقيقي للدولة على الرغم من محاولاتها في اتخاذ تدابير لتطويقها.

تفعيل القانون

لاتحتاج الدولة، بحسب المستشار القانوني مصطفى عبد الوهاب، الى تشريع قانون جديد  لمحاسبة من يهدد الأمن والسلم الاجتماعي لتحاسب بشكل جاد أولئك المسلحين الذي يحوّلون المدن الى ساحات حرب مع عشائر أخرى، فالقوانين النافذة كفيلة بردع من يعملون على تهديد الأمن والاستقرار، لكن مانشهده أن هنالك تهاوناً في تنفيذ القوانين التي تجرّم هؤلاء وتضعهم تحت قوانين صارمة.

ومما يثير السخرية أن أغلب المشاكل العشائرية التي يشهدها العراق في الوقت الراهن يكون سببها الحقيقي هو الاستهتار بالأجهزة الأمنية، ووثوق الأشخاص بإفلاتهم من العقاب، مما يوجب اتخاذ موقف جاد تجاه هذه الأفعال.

أسلحة العشائر

في حادثة معروفة بين عشيرتين في محافظة البصرة سقط ضحية الاستهتار بالقانون ثلاثة قتلى من ثلاث عشائر، الأمر الذي تسبب بتوسيع نطاق الأزمة العشائرية وتهديد الأمن في المناطق التي تقطنها العشائر الثلاث بسبب استمرار المواجهات المسلحة بين الأطراف المتنازعة مع غياب كامل للأجهزة الأمنية في المحافظة.

ومن اللافت أن هذه العشائر تحتمي بسلطة القانون، فكثير من أبنائها هم من منتسبي أجهزة الشرطة والقوات الأمنية في المحافظة، الأمر الذي يجعلنا نقف حائرين لوهلة ونحن نشاهد كميات العتاد التي تمتلكها هذه العشائر ونتساءل كيف حصلت عليه؟

موقف الحكومات المحلية

من جانبها، تكتفي الحكومات المحلية في المحافظات التي تشهد نزاعات عشائرية بمطالبة رئيس الوزراء بنزع الأسلحة من العشائر علاوة على تعظيم دور الأجهزة الأمنية في تلك المحافظات ما يجعل المراقبين يتساءلون عن أسباب ضعف السلطات الحكومية في المحافظات بحيث هي نفسها من يحتاج الى الحماية بدلاً من أن تحمي أبناءها، الذين تجاوزت الأعراف العشائرية على حقوقهم الطبيعية بالعيش في أمان.

قتال في ميسان!!

في محافظة ميسان، وعلى خلفية نزاع عشائري، سقطت أعداد من المدنيين بين جريح وقتيل على خلفية مواجهات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة بين عشيرتين، ما أدى الى إعلان حظر تجوال في المنطقة التي نشب الخلاف فيها، والذي انتقل فيما بعد الى نزاع مع القوات الأمنية بعد أن اشتبك مسلحو إحدى القبيلتين مع قوات الشرطة في المحافظة.

يقول ميثم السدخان، عضو مجلس محافظة ميسان، إن “غياب العقاب وضعف الدولة والأجهزة الأمنية كانا السبب الرئيس في تمادي مجموعة من أفراد العشائر المتنازعة فيما بينها.” مؤكداً أن “هشاشة الأجهزة الأمنية تتحملها الحكومة وحدها، لأنها المسبب الأساسي في ضعفها وانعدام فاعليتها.”

وتابع السدخان أن “انتشار الجهل والتخلف والبطالة بالتزامن من زيادة سطوة أفراد من تلك العشائر كان من بين أهم مسببات هذه الأزمات، علاوة على تغلغل عدد من أفراد هذه العشائر بين صفوف الأجهزة الأمنية ما يؤثر على موقف وقوة تلك الأجهزة في ردع الخارجين عن القانون”.

وأكد أن “المجتمع العراقي يتعرض الى مؤامرة كبيرة من خلال تغلغل مخابرات دول معينة بين الأفراد عبر نشر تعاطي المخدرات وتزويد أفراد معينين بالأسلحة الحدثية، علاوة على تشجيع ثقافة العنف.”

ولفت الى “خطورة تنفيذ أي واجب أمني بحق الخارجين عن القانون بسبب اتباع العشائر عرف (الكوامة العشائرية) لكل شرطي او ضابظ ينفذ أمراً قضائياً بحق المخالفين، علاوة على انتشار المخبرين السريين الخاصين بتلك العشائر بين صفوف القوات الأمنية”, مبيناً أن “هؤلاء المخبربن قد يكونون من أبناء العشائر ذاتها”.

فهم خاطئ

من جانبه، يقول رحيم الأسدي، أحد وجهاء عشائر محافظة ذي قار، إن “الفهم الخاطئ للأصول والأعراف العشائرية أدى إلى ظهور مثل هذه  التصرفات التي تعطي انطباعات سلبية عن أبناء العشائر، والجنوبية منها بشكل خاص.”

وبيّن أن “العشائر بدأت باتباع أساليب تردع أفرادها من الذين يحاولون إفساد سمعة وهيبة العشائر عبر جملة من الممارسات غير الصحيحة.”

وشدّد على “ضرورة أن تكون للدولة ولسلطة القانون قوة مسموعة لتتمكن من ردع جميع من تسوّل لهم أنفسهم التلاعب بالأمن او الاعتداء على المدنيين تحت أية سلطة كانت.”

من جانب آخر، أشار مصدر أمني رفيع إلى أن “مجموعة من الخارجين عن القانون، ممن يجدون في النزاعات العشائرية مصالح خاصة لهم، يحاولون باستمرار كسر شوكة الدولة والأجهزةالأمنية.”

وأكد المصدر المذكور أن “القوات الأمنية تمكنت، ومن خلال صراعات عشائرية حدثت في المناطق الجنوبية، من مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة علاوة على إلقاء القبض على عدد من أفراد العشائر المتورطين في تلك النزاعات”.

من هنا نجد ضروة ملحّة في أن نعزز مكانة القوات الأمنية كي تأخذ هيبة الدولة موقعها الصحيح لتتمكن تلك المحافظات من السيطرة على وضعها الأمني، حيث لاتختلف التطورات الأمنية التي تشهدها المحافظات الأخرى عن خطورة النزاعات العشائرية في المحافظات الجنوبية.