النساء الوجه الآخر لضحايا الحرب

115

رجاء الشجيري /

كاتبات وظّفن ضحايا الحروب والمحن من النساء ليكنَّ مادتهن الروائية، كنَّ الملاذ الذي بحثت عنه عبر روايات خصَّت حكايات نساء عبر أزمنة مختلفة ومراحل متفاوتة، كنَّ شاهدات على ما فعلته الحروب بهن، اخترت بعضاً منهن هنا، إذ أن الضحايا كنَّ حقيقيات ولسنَ من وحي الخيال، وهنّ يسردن بمرارة وألم ما مررن به من ويلات ومعاناة، وإن اختلفت رواية واحدة عنهن فقط هي (سندريلات مسقط) ففيها وظّف الخيال عبر فكرة لانتشالهن من معاناتهن…
فئران تجارب!
نبدأ مع روزيلا بوستورينو، الكاتبة الإيطالية التي قدمت رواية (ذائقة طعام هتلر) ترجمة محمد التهامي العماري، وقد صورت حياة 15 امرأة كنّ مجبرات على تناول هذا الطعام الشهي الذي يحمل خطراً كبيراً على حياتهن قبل وصوله إلى هتلر للتأكد من أنه ليس مسموماً، فكن فئران تجارب في مهمتهن الخطرة هذه.
مارغوت وولك، واحدة من اللواتي بقين على قيد الحياة من هؤلاء النساء، وقد تكلمت عن ذلك بعد أن بلغت سن السبعين، وهكذا بعد أن وجدتها الكاتبة شرعت في كتابة الرواية التي حملت تفاصيل عذابهن وخوفهن اليومي على مدى سنوات..

وصف أنثوي لساحات القتال..
أما الكاتبة والصحفية البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب عام ٢٠١٥، فإنها أصدرت سنة 1985 رواية (ليس للحرب وجه أنثوي) التي نقلها نزار عيون السود إلى العربية سنة 2016، عن دار ممدوح عدوان. وعبر ٥٠٠ صفحة أرادت الكاتبة أن تنقل الحرب وقصصها عبر النساء وليس كما اعتدنا سماعها من الرجال فقط. تقول: “نحن جميعاً أسرى تصورات الرجال وأحاسيسهم عن الحرب.” ففي الحرب العالمية الثانية شاركت مليون امرأة سوفييتية. قضت سفيتلانا أربع سنوات تتنقل بين ١٠٠ بلدة لتنقل قصص المحاربات، نساء باتت أكبر مخاوفهنّ الحياة بعد الحرب، نساء منبوذات من مجتمعاتهنّ بعد عودتهنّ من الجبهات، تغيّرات بيولوجية مفزعة في أجسادهنّ، ندوب نفسية وجسدية، عدم إحساسهن بأية رغباتٍ أنثوية وتيبّس أجسادهنّ فجأة في سنوات الشباب، في غمرة انشغالهنّ بالقتال، وبفعل الخوف والشعور المستمرّ بأنّ الموت قريب منهنّ.
تقول إحدى شخصيات أليكسييفيتش: “أتتصورين أن تذهب معي إلى المقاومة امرأة حامل؟ أو: كان المطلوب أن أكون جندياً، ولكن كان بودي أن أكون جميلة أيضاً”.
تحدثت إحداهن أيضاً، وهي برتبة رقيب، عن إحساسها الرائع عندما تمكنت من النوم بقرطي أذنيها، لأنها كانت المرة الوحيدة التي استطاعت أن تتزين بهما…
في حين تطل علينا هدى حمد في روايتها (سندريلات مسقط) وهي تمنح ثماني نساء فرصة العيش ساعات عدة خارج روتينهن المنزلي المعتاد ليلةً كل شهر….
فتحيّة وفوبيا الصور المعلقة، سارة وشتائم جدتها التي تلاحقها، نوف التي تمنع جسدَها من التفتُح، ربيعة وطفولة الركض التي لا تتركها أبداً، تهاني وبناتها السارقات، ريّا الفلّاحة وخصوبة دموعها، عليا وهي تُخبِّئ رسائلَ اليخاندرو وانا كرستينا، وزبيدة وقصتها مع البئر. كان الحديث مع بعضهن عند الاجتماع على طاولة العشاء المشترك وحده من يحوك قصصهن معاً ويخفف عنهن كثيراً، بل يحوِّلهنّ إلى سيِّداتٍ جميلاتٍ وُمدهشات مع أحلامهن.
سوق السبايا
اما الشاعرة والكاتبة العراقية دنيا ميخائيل فقد كتبت في روايتها (نساء في سوق السبايا) قصص نساء إيزيديات مخطوفات من قبل تنظيم داعش الإرهابي وكيف جرى بيعهن واغتصابهن وتعنيفهن، اذ كانت القصص المرعبة من أفواههن تدون أبشع الجرائم بحقهن، وكيف كان بعضهن ينقذ البعض الآخر، بل حتى الأطفال كانوا يباعون أيضاً أمامهن. تقول إحدى النساء التي تحدثت إلى ميخائيل، وهي معلمة حياكة عراقية تُدعى هيام: “إن ما حدث لنا لم يسبق له مثيل البتة. لقد عشنا في حرب متواصلة.” وتقول متحدثة أخرى اسمها نادية عن قصصهن وأسعار بيعهن :”كان ثمن بيعي حسب قائمة أسعار السبايا لدى داعش ١٠٠ ألف دينار؛ أي ما يعادل ٨٥ دولاراً أمريكياً، وذلك حسب عمرها، ٢٨ سنة، ويمكن أن “تهدى” مجانا إلى أمير من أمرائهم” تقديراً لجهاده!”
أما شكرية، وهي طفلة عمرها ١٤ سنة، فقد كانت أصغر من ذلك حين اختطفها الدواعش وسبوها ودنسوا جسدها الطاهر وهددوا روحها البريئة، فتقول:”كنت مع أختي شكيبة وأمي وأبي، لم يكن أخي معنا لأنه كان خارج المنطقة، أخذونا من بيتنا فى كوجو في سيارات كبيرة، ونقلونا إلى الموصل… ثم أخذوني مع شكيبة وبنات أخريات إلى بناية في سوريا، وهناك وزعونا على المقاتلين بأسعار محددة”.. !
هكذا جسدت كاتباتنا رحلة المعاناة لنساء جعلتهن الحروب بطلات روايات حقيقيات سردن عذاباتهن وصراعات مجتمعات بأكملها ليرسمن بعد ذلك أحمر شفاههنّ بدمهن..