تدليل الأطفال.. يخلق جيلاً لا يستطيع مواجهة الصعوبات

304

دينا عبد الرسول كاظم/

تدليل الطفل هو نوع من الاهتمام الزائد عن حاجة الطفل نفسه. وأسبابه عديدة، لكن أبرزها إما في كون الطفل المدلل هو الأوحد بين شقيقات أو قد يكون الأصغر أو الأكبر.

والتدليل أحياناً يشمل جميع الأولاد أو البنات ربما تعويضاً لغياب الوالدين او أحدهما لفترات طويلة خارج البيت او لأسباب أخرى.

وللتدليل نتائج سلبية كشفتها بحوث ودراسات تناولت هذه الظاهرة وأثرها في تربية الأطفال. فقد اتضح أنه يخلق أشخاصاً غير قادرين على مواجهة مشكلات الحياة، ويظلون يعانون الاتكال على غيرهم في إنجاز واجبات يفترض أن يقوموا بإنجازها.

ضعف الشخصية

ويزداد تعلق الطفل المدلل بوالديه أو أحدهما حتى عندما يكبر لدرجة تعطل قدراته عن اتخاذ القرارات الخاصة التي تقلقه مايضعف ثقة الشخص بنفسه ويضعف شخصيته أمام الآخرين. والأخطر أن الأطفال الذين أفرطت أسرهم بتدليلهم يعانون من حالات القلق والاضطرابات السلوكية. والحق أن الطفل المدلل ليس مشكلة مؤقتة ولا مرحلة نمو لأن الدلال سوف يكون جزءاً من تشكيل سلوكه السيئ مدى الحياة.

تأثير سلبي

وعندما يكبر الطفل يواجه صعوبة في التكيف مع الحياة والناس لأنه اعتاد أن يحصل على مايريد عن طريق استخدام سلوكه السيئ.

وتقول الطبيبة زينب موحان “إن حرص الوالدين على توفير سبل الراحة لأطفالهما وخوفهما المبالغ عليهم هو الذي يخلق طفلاً مدللاً لايرفض له أمر”.

وتقسم زينب دلال الأطفال إلى دلال إيجابي وآخر سلبي، فالأول هو فهم مشاعر الطفل والقرب منه وحل مشاكله ومساعدته على فهم الحياة بطريقة تربوية سليمة وإكسابه الحوار البنّاء شريطة أن لايتعارض مع ميوله واهتماماته وتفكيره الذي قد يشكل شخصيته في المستقبل.

اما الثاني فهو ما ينتشر بين الشباب من الآباء وكبار السن حيث يقيد الطفل الوالدين فنجده شديد الالتصاق بهما، بل ويخاف الابتعاد عنهما ما ينعكس سلبياً على شخصيته مع مرورالوقت.

الأخت الصغرى

وتقول أسماء فائق(موظفة في وزارة التربية) إنها شقيقة لخمس أخوات ومشكلتهن تتلخص بالأخت الصغرى حيث تبالغ والدتها بتدليلها كثيراً، الأمرالذي جعلها تخرج عن السيطرة، فأهدافها الكثيرة وعنادها المستديم انعكس على تعاملها السيئ مع شقيقاتها ماتسبب بخلافات مع الوالدة التي تدعم وتدافع عن أختنا الصغيرة بطريقة محيرة.

وتؤكد أسماء أنهن، أي شقيقاتها، حاولن مراراً وتكراراً الطلب من والدتهن تغيير معاملتها مع شقيقتهن الصغرى، ونبّهنها الى ضرورة تعديل سلوكها فكانت تستجيب في البداية، وما أن تسمع صوتها حتى تنقلب مرة أخرى لتقف في صفها.

دلال يقود الى الجحود

وتقول شيماء فاضل (ممرضة في مدينة الطب) إن العديد من الآباء والأمهات يفشلون في التربية والعدالة في توزيع الحب والحنان بين أولادهم، فالأب يعطي كل مايملك لابنه الصغير وحينما يعجزون عن تلبية أي طلب يواجههم الطفل المدلل بالصراخ حتى يستجيبوا في النهاية لكل طلباته بهدف ارضائه.

وتقولمي أركان (طالبة جامعية) إن أخاها الأكبرعاش سبع سنوات بمفرده قبل إنجابهم، حتى تشرب بالدلال الذي أفسد سلوكه وانعكس على شخصية أنانية لاتحترم الآخر تأخذ ولاتعطي، وأول من يعاني منه والداه فهو لايحترمهما ويجحد تربيتهما له ولايعطيهما أدنى اهتمام، وبرغم ذلك فهم راضون به.

الدلال المفسد

وتؤكد الباحثة الاجتماعية صفية عادل أن الدلال يفسد الطفل وأن الأهل هم المسؤولون عن تربية وسلوك أطفالهم، فالطفل ابن بيئته وكيفما تكون تربيته يكون، ومن الطبيعي أنه يتأثر بتعامل المقربين منه الأب والأم والإخوة والأخوات والأعمام والأخوال، ونشأة الطفل هي من تكسبه السلوكيات والقوانين والأخلاقيات التي يتعامل بها مع الآخرين.
وتضيف الباحثة صفية أن محبة الأهل لأطفالهم أمر طبيعي وجيد ولكن جهلهم بأسلوب التربية وزراعة القيم والانصياع لرغبات الأطفال هو الأمر السيئ وهو الذي يفسد الأطفال، وبالتأكيد أن هذا يحدث من دون وعي. وأوضحت أن الطفل يحتاج إلى الدعم ويحتاج إلى جرعات من التشجيع والدلال والعاطفة والحنان ولكنه يحتاج أيضاً إلى تعلم الأمور الإيجابية وزراعة القيم النبيلة التي تحول دون تنامي النرجسية المرضية. إن الانصياع لطلبات ورغبات الأطفال حتى إن كانت ليست في صالحهم سيكون مكلفاً في المستقبل.

وتؤكد الباحثة: لطالما حذرنا مراراً من مسألة الدلال المادي فهو يؤدي الى خلق شخصية اتكالية وللأسف البعض يستمر بدلال أطفاله حتى في مراحل المراهقة، وهذا يؤدي إلى الهاوية وإلى شخصية تعتاد الحصول على المال بسهولة وبدون أي جهد، وبالتالي ينشأ شخص مبذر لايعرف قيمة المال والأخطر أن ينفق المال في ملذات خطيرة تدفعه إلى سلوك غير أخلاقي.

وبينت أن العديد من الأشخاص الذين تربوا بدلال كبروا وتزوجوا ولم يتمكنوا من مواجهة أعباء الحياة وأبسط مصاعبها وخلق فيهم شخصيات تتكل على الطرف الآخر كل الأزمات التي تواجه أسرهم وأغلبهم فشل أيضاً في بناء أسرة سليمة.

تهذيب النفس

وترى الدكتورة نجاة حسن (الاختصاصية بعلم النفس) أن الآباء يجب أن يتعلموا أيضاً الأساليب التربوية في بناء شخصية وسلوك أبنائهم. وقالت إن الاستجابة السريعة لطلبات الأطفال حتى إذا طلب حلوى او شوكلاته أمر سيئ، فالطفل يحتاج إلى التعود على الاحتمال او ادراك أهمية الأشياء كي يشعروا بقيمتها او قيمة الأموال.

كلنا نريد أن يستمتع أطفالنا بحياة رائعة وأن يجدوا كل متطلباتهم لكن علينا أن نفكر بان الحياة ليست سهلة وأنهم لن يجدوا كل مايريدونه وأن ثمة صعوبات ومرارة تواجههم.