جرّاء دخولهم مواقع التواصل الاجتماعي.. الرجال يصرخون في بيتنا برج مراقبة!

617

آمنة عبد النبي/

برجُ مراقبةٍ نسوي، لا يغفلُ لحظة ولا يترددُ في التقاطِ أيةِ اشارةٍ مُنبهةٍ عن وجودِ تعليقٍ معسولٍ أو رسالةٍ خفيّةٍ أو رُبما طنطنةٍ ليليةٍ متأخرة في حسابِ الزوجِ المشبوه، الذي أصبح تحت دائرةِ الاتهام ويصرخُ في كلِ مكانٍ: في بيتنا برجُ مراقبة!
وقاحة وغباء
“لا يحق لأية متطفلة اقتحام حياتنا بميوعتها وفراغها، ولن يتمكن أحد من منعي من المراقبة، لا زوجي ولا غيره”..
أول برج مراقبة، بُثت تردداته من المدينة السويدية مالمو، كان للزوجة (هناء قادر) التي قصت لنا مراراتها بانفعال:
أكثر من مرة حظرني زوجي من صفحته الفيسبوكية، وطبعاً سبقت هذا الحظر مشكلة كبيرة كادت أن تصل بعلاقتنا للطلاق، تسببت بها إحدى المجهولات في صفحته، التي اضطررت لمراسلتها وإهانتها، وبدورها أخبرته ظناً منها أن تلك الذريعة كافية لإزاحتي. كانت تتصرف بصلافة ولا حد لوقاحة ردودها في الصفحة واتصالاتها المتأخرة وكأن البيت خالٍ من زوجة وأطفال. الفضاء الافتراضي هو حياة اجتماعية حقيقية يفترض أن تُراعى فيها مشاعرنا بالكامل كأننا جالسون في البيت تماماً، لا انفصال ولا انعزال ولا خلوة ولا كلام معسولاً يمكن أن يكون مقبولاً في مواقع التواصل. وكالعادة فإن الرجال هنا هم الحَملان الوديعة وحججهم جاهزة لنفي الخيانات والصداقات المشبوهة، وإنهم يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، وإلا لماذا يُترك لهم الحبل على الغارب بينما نُمنع نحنُ من وضعِ صورنا، وتقتصر صداقاتنا على الأهل والمقربين فقط!
لوثة وفضول
“المراقبة والمُلاحقة لا تتبعها إلاّ الزوجة المصابة بلوثة عقلية، لسنا مسؤولين عن عاطفتها المأزومة وشكوكها المرضية التي تحتاج للمعالجة، لا للمراقبة”..
بهذا الرد الحاد، بدأ الشيف (رائد الحمداني) حديثه من العاصمة ستوكهولم عن المراقبة قائلاً:
لن أسمح لأية امرأة بمراقبتي وملاحقة علاقاتي داخل مواقع التواصل الاجتماعي، ولن أتردد في حذف وحظر من أظنه سبباً مباشراً في ازعاجي وإرباك حياتي الخاصة بفضوله، وإذا كانت المرأة تشعر بالانتصار عندما تكتشف علاقات شريكها عبر الملاحقة والتجسس، فماذا تفعل لو لم يكن خائناً، هل لها أن تتخيل حجم الانهيار المعنوي في مساحة الثقة، هل فكرت للحظة ماذا أبقت من كرامته كرجل؟
الكاتب الصحفي (ليث شاكر) استغرب من عملية توظيف هذا الفضول النسائي بتحجيم حريات الرجل، قائلاً بامتعاض:
نظراً للواقع المُعاش فأنا اعتقد أن غالبية النساء يلجأن إلى عمليات المراقبة لغرضِ تهدئة الوساوس التي تملأ رؤوسهن، القضية لا علاقة لها إطلاقاً بتدمير البيوت، بل وصلنا إلى مرحلة حرجة تُفسر فيها أبسط كلمة مجاملة أو تعليق أو إشارة على أساسٍ مغلوط وظنٍ سيئ، والغاضب المُحتقن هنا طبعاً لا رأي له، لا يحق للزوجة إقحام نفسها في كل صغيرة وكبيرة، بل إن هنالك أموراً معينة وشخصية، وأحياناً حساسة جداً، يودعها الزوج عند نساء مقربات منه ويحرص على عدم إبلاغ زوجته مطلقاً لأسباب وتقديرات تخصه، ولا يعني أن هذا الإخفاء هو خيانة وطعن لوجودها.
ذكورة وفكرة
“يفكر الرجل بغريزته أكثر مما يفكر بعقله، لذا قد يقوم بما تسميه المرأة خيانة دون أن تكون للعشيقة الخفية قيمة في قلبه، وهذا هو الفارق البايولوجي بينهما “..
المختصة في مجال الإدارة والاقتصاد (حنين الدليمي) شاركتنا من عمان، بوجهةِ نظرها المحايدة، قائلة بهدوء:
مجرد دخول الشريك في المشاعر دون علم الزوجة أو الزوج هو خيانة، محادثة الزوج لامرأة أخرى وإعطاؤها قدراً من الغزل والكلام المعسول الذي لا تسمعه منه الزوجة هو خيانة، وتفكير الزوجة بغير زوجها هو خيانة أيضاً، لأن منح مشاعر الحب المقدسة لشريك آخر غير الشريك الحقيقي هو خيانة، ومع مرور الوقت تسرق متعة الحياة الزوجية وأساس وجودها. كانت لي صديقة مقربة، اكتشفت خيانة زوجها لها الذي كان يقضي وقتاً طويلاً على وسائل التواصل، وتحديداً الفيسبوك، ولا يسمح لها بلمس هاتفه لدرجة أنه صار ينام ليلاً في غرفة أخرى، لكنها لم تعط للموضوع أي اهتمام إلى أن سمعت بالصدفة حديثه في الهاتف مع عشيقته وتفكيره في الارتباط بها، والزوجة حالياً مطلقة جرّاء هذه الخيانة. لكن مع هذا فإن إدمان الرجل على برامج التواصل ليس دليلاً على خيانته، بل إن الرجل يلجأ في أحيانٍ كثيرة إلى هذه المواقع نتيجة الكبت أو التقصير من الزوجة، وحتى لو حادث الرجل امرأة أخرى أو رد عليها، فليس سهلاً أن نطلق عليه مصطلح الخيانة لأن مفهوم الخيانة أعمق من حساب وهمي يقوم الرجل بالحديث من خلاله مع امرأة مجهولة. تجدر الإشارة هنا إلى أن واقع الحال في مجتمعاتنا الشرقية، وحتى في بيوتنا، أن يتكرر على مسامعنا كثيراً “هو رجال وما ينعاب”، وهذا الكلام لا يصح إطلاقاً، وهو ليس بالجديد، فالمرأة في مجتمعاتنا تتعرض للظلم من هذه الناحية، وهذا التفكير هو أداة للحكم على كثير من الأمور لصالحه لأنه رجل ويحق له، ولكن أنتِ أنثى لا يحقّ لك، وأبسط مثال على ذلك أنا شخصياً، إذ لا أضع صورتي الشخصية على حساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي حتى دون طلب من والدي، لأنها باتت وسائل ابتزاز وإساءة، لذلك لا ألوم الأهل بل أقف في جانبهم هنا.