ركلات ترجيحية بين الأزواج خلف كل رجل مَدين امرأة مُبذرة!

177

آمنة عبد النبي /

حلبة ملاكمة سريّة لن تهدأ إلا إذا أطاحت بالسقف الزوجي فوق رأسيهما بالضربة القاضية، لاعبها الأول رجل سلّم أمره وجيبه الفارغ لربّه، ولاعبها الآخر امرأة مختنقة تدافع عن حقها بفكرة المعيشة المرفهة كما وعدها سابقاً..
ترى لماذا يَعيب المجتمع الرجل ويعيّره إذا سلّم راتبه بيد زوجته، في حين أن المرأة إذا تمردت وامتنعت عن التضحية براتبها يُقال عنها إنها تجاوزت خطوط الطاعة الحُمر، وهل حقاً أن العروض المُغرية وصرعات السوشيال ميديا زادت الطين بلّة؟
مأزق وقلق
” بصراحة أنا مُولعة بالتسوق وزوجي سلّم أمره إلى الله”.. بهذا الرأي الآتي من ستوكهولم، الملتحفة حالياً بثلوجها، وبصراحة جارحة للنساء الرافضات لفكرة تنصل المرأة عن المشاركة في مواجهة ضنك العيش والتقنين القسري المُزعج، اعترفت المهندسة العراقية (هدير غسان) قائلة:
لسنا مسؤولات عن جيبه الفارغ، حينما تعيش المرأة جلّ حياتها برفاهية ومتابعة لكل ما يعجبها فتشتريه، هنا لا أحد يحق له أن يُجبرها على التنازل والقبول بحياة العوز طالما كان قد وعدها سابقاً، أنا أحترم إمكانيات الزوج المحدودة وأقدر ما يعانيه، لكن في الوقت نفسه أعتقد أنه مسؤول عن هذا المأزق لأن المرأة إذا تنازلت بعض الوقت فلن تقاوم طويلاً، مع أنني أقف احتراماً للمرأة التي تستطيع أن تُكيف وضعها على مقاس إمكانيات الرجل وتُجنبه الوقوع في فخ الديون، لكن لا يحق لي أو لأي أحد أن يُجبرها أو يجبرني على التكيف.
زوج (هدير) الذي كان على مقربة ويتأفف بلطف طوال حديثنا، قاطعنا ضاحكاً: بعد أن يئست من إقناعها، استسلمت للأمر لأتجنب الصداع اليومي جراء الإلحاح على أمرٍ لن يتغير، هذا هو طبعها. لو دخلتِ البيت لوجدتِ من مستلزمات المطبخ ثنائيات متشابهة وغير مستعملة أصلاً، أما الملابس فلم تتبقَّ لدينا خزانة صالحة من شدة الامتلاء، ما تفعله زوجتي مُبالغ فيه، ولو استثمرنا تلك الأموال الإضافية لكان أفضل لنا، كل ما أخشاه الآن أن تنتقل تلك العدوى إلى أبنائنا.

شطارة وصدارة
” عن أي تبذير تتكلمون وصندوق التوفير في البيت هو المرأة، كل ما نسمعه عن اتهامها بمديونية الرجل قاسٍ، ولا يحق للمجتمع أن يعيب الرجل ويعيّره إذا سلّم راتبه لزوجته كل شهر لحسنِ تدبيرها، لا لطغيانها.”
بهذا الدفاع اللافت لأنظارِ جميع الغاضبات من تهمة إغراق الرجل في ديونه، أبدى المختص في مجال الأنثروبولوجيا (د.يحيى حسين) رأيه باسترخاء قائلاً:
قبل أيام جلست مع أحد أساتذة الأنثروبولوجيا، كان الرجل يشيد بزوجته وأن لها دوراً كبيراً في حياته، وأنهم تمكنوا من شراء دار بفضلِ حسن تدبيرها. هذه الصورة لم تغب عن المجتمع ولا يمكن أن تغيب عن أذهاننا وإن كانت نادرة، لأن هنالك مستويات من الدعم والفشل. لذلك أعتقد أن مصطلح الإسراف والتبذير قاسٍ بعض الشيء، وأن ما تتهم به المرأة من إسراف يمكن تسميته (حبّ التسوق)، وهو أقرب للهواية والولع لا يمكن أن يزيح المرأةعن منزلتها في التدبير ومسكها ميزانية البيت بطريقة أبرع من الرجل، ولاسيما إذا كان الرجل لا يجيد حساب التفاصيل وعقله وفكره مشغولان بأمور أخرى. لذلك، من باب توزيع الأدوار يرمي بثقل مهام البيت ومصروفاته على عاتق المرأة، فإذا نجحت استمر الوضع على ما هو عليه، وإذا فشلت فستتغير المهام. وبرأيي إذا أعطاها المصروف كل يوم كان ذلك أسلم له، لأن شطارة المرأة موثوقة بهذا الجانب. طبعاً التقييم في هذا الأمر نسبي، وهنالك تفاوت بين شخص وآخر، لكن نحن ثقافتنا شرقية، كما تعرفين، وهذه الثقافة تستوجب أحياناً أن يكون الرجل هو الآمر الناهي وإلا سيصِمه المجتمع بأنه ضعيف الشخصية، ولا أحد طبعاً يضع نفسه في مأزق كهذا، لذلك يحاول بكل ما يستطيع من قوة أن يكون هو الواجهة وبيده قيادة العائلة، علماً أن مصطلح العائلة مصطلح أنثروبولوجي ومصطلح الأسرة سوسيولوجي.

مرض وفوبيا
” نحنُ محاطون بسيدات مختلات اقتصادياً، الديون التي تُلقى على عاتق الرجل جراء كثرة المصروفات والمشتريات أصبحت حالة مرضية نسوية وكثيرات يعانين منها.”
برأيٍ غاضب ورافض لكلِ من دافع عن فكرة التبرئة النسوية، بدأ المصور الفوتوغرافي المُقيم في إسبانيا (نشوان الطائي) حديثه بامتعاض واضح:
أعرف نساء لا يأبهن بإمكانيات أزواجهن المادية، كل ما يهمهن هو الحاجة الملحة للشراء المُبالغ فيه، وبرأيي فإن للتلفاز وبرامج السوشيال ميديا دوراً مهماً في بروز تلك الظاهرة التي صارت منتشرة، أضيفي إلى ذلك هوس التقليد والمسلسلات المدبلجة وصرعات الموضة. كل تلك الأمور فاقمت مشكلة الإسراف وجعلتها شيئاً يُشبه الثقافة النسوية التي تتسابق فيها السيدات لإثبات ذواتهن، والمتضرر هنا أولاً وأخيراً هو الرجل الذي يضطر لإغراق نفسه بالديون. لا يحق للزوجة أن ترهق كاهل زوجها بديون ليس لها مبرر، بل يفترض أن تكون شريكة مثلى تشاطره كل شيء بما في ذلك المسؤولية، وأن تكون سنداً وعوناً، وإلا ما قيمة وجودها في حياته أن لم تكن كذلك.

نظرة رجعية
المرأة(صندقچة) العائلة، واتهامها بمديونيّة الرجل أمر مُجحف بحقِ دورها المحوري في إدارة الحياة، لأن خلف كل رجل عظيم امرأة عظيمة، لا مُبذرة.”
رأي فولكلوري مُعتق أسدل فيه السِتار على ما بدأناه الموظف في صحة بابل (مرتضى الشبلاوي) قائلاً:
لا تزال والدتي تردد عبارات “يمّه أخذلك مرة تلمّك”، في إشارة واضحة إلى ما يعتري حياة الرجل الأعزب من فوضى وعشوائية في إهدار أمواله واستقراره المفقود بدون شريكة، المرأة هي (صندقچة) البيت المتماسك، علماً بأنني مؤمن تماماً بأن البيئة التي أعيش فيها ما تزال المرأةفيها تحمل هذا العنوان السامي بشرطه وشروطه المختزلة لوعيها ونضجها، وليست كل النساء قطعاً من النوع الذي توصيني به أمي، وأيضاً بالمقابل ليست كل النساء مُبذرات يثقلن كاهل الرجل بالديون، القضية نسبية، لكن نحنُ، الرجال الشرقيين، من حق المرأةالطبيعي علينا أن تجد ما تحتاجه وما يعينها على البقاء داخل البيت معززة مُكرمة، وكذلك البقاء على قيد المجتمع بالشكل اللائق. أعرف رجالاً كثيرين ممن يتفاخرون بأنهم سلموا كل وارداتهم إلى زوجاتهم مطمئنين إلى أنهنّ سيتدبرن شؤون البيت أفضل منهم، وبعضهم ما يزال يعدّها قاصراً عن إدارة الميزانية ويتعمد إعطاءها المصرف اليومي لتتكفل بالصرف حسب الحاجة، لكن برأيي أن الزوجة أدرى من زوجها بما يحتاجه البيت من متطلبات ضرورية، والفخر هنا حق طبيعي للزوج أنه اقترن بمثل تلك المرأة النادرة. وفيما يخص النظرة الرجعية إلى الرجل الذي يسلم ميزانية البيت بيد زوجته مُجبراً، فهذا الأمر ليس من الشيوع بحيث يصبح (ظاهرة) إنما هي حالات شاذة وغير مقبولة يمكن أن نعدها سلبية أخرى تضاف إلى سجل المجتمع الرجعي الرجولي، بل إن الرجل مُلزم شرعاً، ومن حق الزوجة أن تجد في بيت الزوجية معيشة بمستوى ما كانت عليه في بيت أهلها إن لم تكن أفضل.