زوجة الأب.. شريرةُ السينما وجمرةُ الأدب الخبيثة

27

آمنة الموزاني /

خَاتونُ البيت الماكرة اللَّعُوبُ، التي تجيد رميَ شباكها على الغنيمةِ بخبثٍ ونبرةٍ شيطانيةٍ ناعمة، وهي المتهمة بالمشي على سجادةِ قَلْب الرجل وتَجْفِيف منابعِ العاطفة تجاه أولادهِ وقلع ما تبقى من جذورِ أمهم البايولوجية.
ثيمةُ العدائية الناقمة التي سوقتها دكاكين السينما وفِخاخ الدراما والأدب لحشوِ الذاكرة وحراستها بصفارةِ إنذارٍ مُرعبة تصرخ كلما لفظ أحدنا جملة “زوجة الأبِ” لدرجةٍ صرنا نتوارثها ونكبرُ لا شعورياً ونحيط أنفسنا بسياج الخوف من كائن مفترس اسمه “زوجة الأب.”
رأس المكائد
تُرى ما حكايةُ ذكورية السينما التي تُصور المرأة البديلة “رأس حاجة” وتُجبرها درامياً على شَحْذ العاطفة بالمكائدِ، ولماذا أدخلت السينما الغربية ضوءَ الحداثة على نمطيتها، واستبدلت العلاقات البايولوجية بثقافةِ العائلةِ البديلة، وما هيَ علّة التراث الإسلامي الذي لا يزالُ طامراً رأسه بكهوفِ التحريم وعَوْرات النساء؟
حياة وتناقضات
“الرؤيةُ الإخراجية وشُباك السينما ينبعان من الواقع، لذلك جعلتُ المرأة معزّزة درامياً في فلمي (نباح) بعد أن توفيت الزوجة بقي الأب منشغلاً بتربية أولاده، وحافظاً لذكراها.”
هكذا بدأ المخرج السينمائي والممثل العراقي المُقيم في الدنمارك (جمال أمين) متابعاً أكثر عمل أدبي مشهور، وقد أنجز منه مسرحيات وأفلام صور متحركة وأفلاماً واقعية، هي “سندريلا”، كما لا ننسى في رواية “ميديا” للكاتب اليوناني (يوربيدس)، التي ألبست عروس زوجها في يوم زفافها ثوباً سحرياً نسجته بيديها ليذيب لحمها، ثم ذبحت أولاده وأطعمتهم لزوجها دون أن يعلم. وتاريخياً نستشهد بزبيدة وما كانت تقوم به من تحريض هارون الرشيد على إعطاء ابنها الأمين الحكم من بعد أبيه بدلاً من ابنه من زوجته الأولى.
لكن، حتماً، لا تخلو الثيمة الحديثة من وجود زوجات أب مثاليات ورائعات جداً، كما في فلم (صوت الموسيقى)، إذ تختلف بشكل كبير عن سندريلا، لأن الأم البديلة هنا راهبة، والموضوع له صبغة دينية، والراهبة التي جاءت من الدير وقيم الكنسية والمثل الأخلاقية العليا، عكس الأب العسكري الذي يجب عليه أن يكون قاسياً، فينشأ صراع بين الأب والراهبة، وفي النهاية تنتصر إرادة الأم البديلة.
هذا الفلم لاقى رواجاً لمغايرته صورة زوجة الأب الشريرة، علماً بأن السينما الأوروبية ليست لها خشية من تناول المرادفات الذكورية، فهنالك فلم “زوج الأم” من إخراج (نيلسون ماكروميك)، وهو فيلم بوليسي تقليدي يتناول علاقة الابن مع أمه كي يحذرها من زوجها لأنه مجرم، وأيضاً فلم “الحفلة” الدنماركي.
من ذلك كله نستخلص أن السينما، غربية كانت أم شرقية، هي خاضعة لما يفرضه الواقع الذي يتحدد بفارق القانون المُطبق لصالح المرأة في أوروبا، المساند لصالح الرجل في الشرق.
عنف وذكورية
“الأدب العالمي مثل قصص (سنو وايت) و(هانسيل وجريتل)، انحاز كثيراً لهوس الرجال مثلما انحازت السوشيال ميديا التي طمرت مصيبتنا وضخمت ذكوريتنا.”
هذا ما تعترض عليه الكاتبة والأديبة العراقية المُقيمة في كندا (سارا ألبا)، إذ توضح أن تعزيز فكرة الشر الخالصة في المرأة بشكل عام، لا زوجة الأب فقط، أخذت وما زالت تأخذ صداها الشرقيّ في ما تنتجه صفحات الكتابة والأدب, ولاسيما في العراق وما يشهده من تزايد حالات التعنيف، وبالأخص التي يكون فيها الاب قاتلاً، إذ تأخذ الإدانة صداها في السوشيال ميديا كتصرف فردي، في حين أن الفاعل لو كان امرأة ستجدين الصفحات والبيجات والأقلام الذكورية تتناولها بتسقيط كل عائلتها، وكمثال على ذلك إذا ارتكبت زوجة الأب خطيئةً فسوف تتجه الملامة لها ولأمهم، ويخف التقريع عن الأب الذي أغرق الجميع بسببِ أنانيته. وبالمقابل إذا ارتكب زوج الأم تعنيفاً لأولادها فسوف تقع المحاسبة على رأس الأم وتُتهم بأنها تزوجت وأهملت تربيتهم، وأيضاً حينما تكون زوجة أب لرجل منفصل يكبرها بالعمر، الكل ينتقص من شأنها إذا ما (تضجورت)، بينما حينما يتزوج الرجل امرأة بعمر أولاده، فإن الكل يصفق له.
معاصرة ومنابر
“لو تحوّلت المفاهيم الأخلاقية في الموروث الديني من منطقة المنبر والعقل إلى مرتبة الوجدان والتفاعل القلبي، لرأينا تقويماً سلوكياً في المعاملة الحياتية.”
الشيخ (مازن المطوري)، المختص بالدراسات الإسلامية، قال: افتقاد الكثير من الذين يتصدون للمنابر والخطابة للرؤية الواعية والاهتمام بالجوانب التربوية، ومنها الثقافة السائدة، التي تنتمي إلى المعاصرة والحداثة، وتحاول أن تتجاوز الماضي بكل تفاصيله في أبعاده الأخلاقية والتربوية، وكونه مثالاً وقدوة، ومحاولة تصدير الوضع الثقافي الحاضر بكل ما فيه من كبوات وهفوات وتراجع على المستوى التربوي والأخلاقي على أنه المثال والقدوة، وهذه الثقافة الحديثة تشمئز من الزوجة الثانية ومن تعدد الزوجات بشكل عام، وبالتالي فإن المسرح والدراما يسيران وفق النسق الحديث، ويحاولان تجاوز القيم التي يصفانها بالقديمة، إن تعرّض المنبر لهذه الجوانب مهم جداً وأؤيده في عملية التربية وربط الناس بهذه القدوات، ولاسيما مثالية السيدة أم البنين (ع) لأن الإنسان ينجذب إلى تفاصيل السيرة وخصوصيات الأشخاص، وبالتالي فإن الجانب الفجائعي، رغم أهميته، لكن يجب ألا يكون التعاطي معه على حساب بقية الجوانب، فيمكن أن نقتصر في هذا الجانب على مواسم العزاء وتكون سائر المناسبات وأيام السنة فرصاً لغرس النماذج التربوية، لقد كانت مواقف السيدة أم البنين، التي لم تُستثمر، لا درامياً ولا أدبياً، تتعامل مع الإمامين سيدي شباب أهل الجنة بمثالية عالية واريحية كبيرة، وفي المقابل كان الإمامان يعاملانها كأم.
ميديا وتحولات
“صورتها الشريرة في المجتمع العربي، أو العراقي، لم تأتِ اعتباطاً، وإنما هي نتاج التعنيفات الأسرية التي أفرزتها التحولات السياسية.”
الفنانة (د.شذى سالم) أشارت في حديثها إلى السلبية الشائعة بمدلولات التحول، مشيرة إلى كثرة الحالات الواقعية المرفوضة، ولاسيما بعد غزو السوشيال ميديا والتحولات الجديدة التي أفرزت ثقافة المشاكل وظاهرة العنف الأسري الذي يستهدف المرأة، وبالتالي سيكون لديها رد مضاد وطبيعي تجاه الآخرين، والدراما، باعتبارها عين الواقع، فإنها حتماً ستلتقط ما يطفو على هذا الواقع، لكن هذا لا يرفع عن المرأة فطرتها الإلهية التي خلقها الله (عزّ وجل) وخصها بالحنيّة والتربية، ليس فقط للأم التي تلد أطفالاً، وإنما للأم بشكلٍ عام، لدينا حالات مثالية لأمهات بديلات قمن بتربية كبار الشخصيات المثالية، وإن لم يُستثمرن درامياً، وبالمقابل تطالعنا حالات مؤلمة لصور تعنيف الأطفال، وبالأخص الصغار على يدِ زوجاتِ آبائهن والحوادث كثيرة في هذا المجال. أنا أقول: أيتها المرأة أنتِ مخلوقة من طينة العطف والحبِ والحنان، وهؤلاء ليسوا أولادكِ البيولوجيين، وإنما هم ملائكة، فلا تجوري ولا تظلمي، هؤلاء الصغار لم يختاروا أقدارهم، فلا تكوني كاسراً لأحلامهم.
وما بين رؤى السينمائيين والكُتّاب والفنانين وذوي الشأن الديني، يمكن أن نشير إلى أن ينابيع السينما والدراما والأدب جميعها تتعسف في رؤيتها لزوجة الأب، وإذا أردنا إصلاح وتقويم ما نراه تعسفاً بحق المرأة، فيجب علينا إصلاح واقعها بالتثقيف نحو إشاعة القانون، المظلة الحامية لحقوقها وكرامتها، كما يجب أن تُشاع ثقافة المنابر الإصلاحية التي تؤمن إيماناً كاملاً بأن التعامل الظالم مع المرأة، كزوجة ظالمة مُسبقاً، هو تعدٍ وتجاوز لا يتناسب وإيمان الإنسان، إذ أن للإيمان دلالات اجتماعية معاملاتية.