سيكولوجيا التدخين.. علب سكائر في حقائب نساء!

408

د.قاسم حسين/

لم يكن كريستوفر كولومبس مكتشفاً لأميركا فقط ،بل إليه ينسب أيضا انتشار التدخين. ففي رحلته الى أميركا عام 1492، مرّ بإسبانيا والبرتغال وشاهد الهنود الحمر يحرقون أوراقاً لطرد الأرواح الشريرة في مناسباتهم الدينية واحتفالاتهم بدفن الموتى، وكانت هذه هي أوراق التبغ! وحصل أن أهداه أهالي سان سلفادور ما جادت به أيديهم منها فحملها معه الى أميركا..ومنها انتشرت الى بلدان العالم. واستفحل أمر التدخين فاضطر البابا ان يصدر عام 1642 أمراً بتحريم التدخين تلاه صدورعقوبات شملت التعذيب والسجن والشنق وبتر الرأس أيضا!

ومع أنه صار مؤكداً، صحياً وتجريبياً، أن التدخين يسبب أمراض القلب وسرطان الرئة والحنجرة والمثانة وقرحة المعدة..فإن الكثيرين ما يزالون يدخنون. واللافت أن معدلات التدخين ارتفعت بين النساء..فلماذا؟

استطلاع رأي

من عادتي أنني استطلع الآراء عبر الفيسبوك في الظواهر الاجتماعية ضمن (أصبوحة اليوم) التي صارت تقليداً في الفيسبوك. وحصل أن راجعتني إحدى النساء فكانت هذه الأصبوحة :

(طالت جلستها معي فاستأذنت أن تدخّن. قلت لها تفضلي، ولمحت نظرتي، فقالت:

دكتور لو أنك فتحت حقائب النساء لوجدت أن 70% منها معبأة بعلب السكائر..

معقولة؟!..وليش؟

ومع أن هذه النسبة فيها مبالغة، فإن المستجيبين اتفقوا على أن التدخين بين النساء أصبح ظاهرة..إليكم نماذج من إجاباتهم بالنص:
– معقولة دكتور، لأن التقليد الأعمى للمسلسلات العربية والأجنبية جعل من تدخين المرأة أمراً عادياً.
-لأن المرأة صارت تعتبر التدخين ظاهرة حضارية.

-كل ممنوع مرغوب.. وتجدها انتشرت بين نساء الريف أيضا.

-أصبحت حالة منتشرة والمرأة حين تدخن تسحب السيكارة وتشعلها بطريقة ساحرة تختلف عن الرجل.

-كنا في جلسة عائلية، وما أن قدمنا القهوة للضيوف وإذا بعلب السكائر تخرج من حقائب النساء وبدأ سحب الدخان وكأن خبراً حزيناً حلّ بهن. وسألت ضيفتي كم تدخنين فاجأبت: علبتين، مع أنها تحمل شهادة الماجستير، وزوجها لا يدخن.

قانون التكرار

لدينا في علم النفس قانون اسمه قانون التكرار، خلاصته: أذا تكرر سلوك ما وحصل منه على تعزيز فإنه يتحول الى عادة. والعادة ،بمفهومنا،

تعني ارتباطاً بين مثير واستجابة. وحين يتحول التدخين الى عادة فإن المثير يكون هو السيكارة، فيما التعزيز هو الشعور بالراحة النفسية. وحين يتحول التدخين الى عادة إدمانية، فإن أسبابه الأولى تكون نفسية اجتماعية هي عند المراهقين تكون بتقليد (الوالد، ممثل سينما…) يحصل له تعزيز من أقرانه يمنحه الإحساس بالرجولة ولذة المغامرة، فيما يكون التدخين عند الكبار تعبيراً عن حالة إحباط لم يستطع الفرد فيها تحقيق أهدافه ورغباته.. ولأنه يكون عاجزاً عن إنزال العدوان بمن سبب له هذا الإحباط فإنه يسقط عدوانه على ذاته بمختلف الوسائل..والسيكارة إحداها.

التدخين قبل وبعد نصف قرن

كان التدخين يقوم على سيكولوجيا المغامرة والعدوان. وأتذكر أنهم كانوا يضعون على علبة السجائر صورة فارس قوي في الإعلانات التلفزيونية.. وهذا يعني في الفعل النفسي أنه حين يندمج معاً فارس وحصان قوي جميل..عندها تكون المغامرة لذيذة وممتعة، ويكون التدخين حاجة أساسية لإتمام هذه المتعة. وكانوا يتفننون في سيكولوجيا الإعلانات بأن يضعوا علبة السكائر في أعماق البحر كما يستقر كنز ثمين.. وهذا يعني في الفعل النفسي أن الإنسان جدير بالمغامرة حتى لو كان احتمال الموت وارداً..مما يتحول، لا شعورياً، الى أن يقبل الإنسان على التدخين حتى لو كان ثمن ذلك حياته!.

وكانت النساء في زمن جداتنا يلفنّ السكائر لهن ولأزواجهن بشكل عادي ويدخننَّ (المزبّن) التي قال عنها مظفر النواب (أيام المزبن كضن تكضن يا أيام اللف). ومع ذلك فإن المرأة التي كانت تدخن علنا قبل نصف قرن فإن ذلك يعني أن اخلاقها سيئة. ولغاية السبعينات، حين كنت طالباً في الجامعة، كانت الطالبات يدخننّ في التواليت، فيما الآن صرن يدخننّ علناً في مقاهي شوارع المتنبي والكرادة. صحيح أن هذه الظاهرة تعدّ أمراً عادياً في دول عربية، لكنها كانت في مجتمعنا تعدّ أمراً معيباً، فلا يليق بالمرأة المحترمة أن تدخن في مقهى عام. وللتوثيق، فإن بين زميلاتي المذيعات في إذاعة بغداد منتصف السبعينات كنّ يدخننّ بحذر ولا تجرؤ إحداهن على التدخين بكافتريا الإذاعة والتلفزيون.

الأسباب سيكولوجية

مؤكد أن التدخين يرتبط بالحالة المزاجية للمدخن، ونرى أن السبب السيكولوجي الرئيس للتدخين عند الرجال هو تعرضهم الى الإحباط، فيما الشعور بالاضطهاد هو السبب الرئيس عند النساء، سواء أكان من الزوج او المجتمع، مصحوباً بمتعة التمرّد على تقاليد يعتبرنها مفروضة عليهن من مجتمع ذكوري.

ومع أن السيكارة تريح صاحبها نفسياً لدقائق بفعل أن النيكوتين فيه مادة منعشة للجهاز العصبي، لكنها تسبب الاكتئاب على المدى الطويل. فحين لا تعالج عشر سكائر حالته المزاجية فإنه يزيدها خمساً، وخمساً اخرى، وقد تصل الى ثلاث علب في اليوم!..عندها يدخل مرحلة الإدمان وفيها يدرك أن التدخين لم يعد يحل مشاكله، وأنه ما عادت لديه القدرة على هجر من كان يظن أنها مخففة لهمومه، آنذاك يصاب بالاكتئاب الذي يضعه بين خيارين، فإما الانتحار البطيء بالاستمرار على التدخين، او إنقاذ نفسه بالتوقف عنه.

على أن للمرأة حالاً آخر وصفه صديق بعث به لي قائلاً:(حسب معلوماتي التي استقيتها من نساء مدخنات، فإن رائحة الدخان تحمل رائحة عزيز فقدناه، او تذكّرها بزوجها حين يغيب عنها، او رجل تمنت الارتباط به وخسرته)..وتلك من مصائب المرأة العراقية التي ما انتهت منذ عقود!