شباب.. يقفزون إلى خانة الثراء الفاحش

608

جمانة علي/

حتى في ظل ازدياد أعداد العاطلين عن العمل في العراق وارتفاع نسبة الفقر فيه، ثمّة ظاهرة تطفو على السطح وهي تزايد أعداد الأثرياء من الشباب. فبينما يبحث بعض الشباب عن فرصة عمل لايتجاوز فيها مرتّبهم الشهري عن 300 ألف دينار، ينفق شباب آخرون ،يومياً، ملايين الدنانير على مُتعهم من دون وجع قلب…

ترى كيف وصلت الأموال الى أيدي شباب يجاهرون بالثراء بينما يعاني أقرانهم شظف العيش؟
هنا، في هذا التحقيق، نحاول أن نجيب عن هذا السؤال:

لست بحاجة الى العلم والعمل!

300 الى 400 ألف دينار ينفقها (أنمار)، ابن العشرين عاماً، يومياً عند ذهابه ،كل مساء، الى المقهى. سألته من أين لك هذا المبلغ الذي يعادل شهرياً أكثر من 9 ملايين وقد يصل الى 12 مليوناً وهو مبلغ خيالي جداً ينفق في مقهى؟

أجاب: والدتي معلمة ووالدي مقاول. أنمار، الذي لم يكمل دراسته الجامعية لأنه لايحتاجها، بحسب كلامه، ولايحتاج للعمل, ينهض يومياً الساعة الواحدة ظهراً من النوم، ثم يذهب للقاء أصدقائه بسيارته الجارجر التي اشتراها له والده، وبعدها يتجه لأحد الكافيهات ليقضى يومه بين أصدقائه والكافيه ..ثم يعود بعد منتصف الليل الى البيت ويعاود الكرّة في اليوم الثاني .

الفتيات العاملات في المقهى تحدثن لنا عن أنمار ومجموعة من الشباب يلتقون معه في إنفاقه الباذخ:

قالت إحداهن: تعمل بالمقهى مايقارب الثلاثين فتاة, عندما يأتي أنمار يتسابقن الى خدمته كي يحصلن على «البقشيش» منه، فالمال لايعني له شياً, وهنالك الكثيرون من أمثاله.

ابن مسؤول

أحمد, الذي يأتي كل يوم لينفق من 100 الى 250 ألف دينار يومياً على أصدقائه وصديقاته هو ابن لأحد المسؤولين في الدولة, يبلغ من العمر 18 عاماً ولم يكمل دراسته، فكل همّه كيف يقضي وقته بين الكافيه والملاهي الليلية.

فتاة أخرى تعمل في المقهى تحدثت لنا عن شاب آخر ثلاثيني يأتي كل يوم لينفق مبلغاً يقترب من 100 ألف دينار، وذات يوم جاء بعض الرجال ليسألوا عنه فتبين أنه قد ترك أهله منذ أشهر وقد سرق منهم مبلغاً مقداره 25 ألف دولار بعد ان أنفق كل مالديه من أموال في الملاهي الليلية، ما اضطره الى ان يسرق من أهله من أجل ان يستمر في ارتياد المقاهي والملاهي الليلية.
وفي الوقت الذي نجد فيه شباباً ينفقون أموالهم لأجل إرضاء رغباتهم، نجد آخرين يفترشون الأرض بانتظار فرصة عمل توفر لهم قوت يومهم.

مساطر العمال

«أبو ابراهيم» يأتي في ساعات الصباح الأولى حاملاً على ظهره فأسه الى مسطر العمال، وهو المكان الذي اعتاد ان يبحث فيه عن رزقه، يؤكد: يأتي الى هذا المسطر شباب وشيوخ بأعمار مختلفة بين الثانية عشرة والستين أو أكثر أحياناً، وتتكون فيما بيننا من كثرة الانتظار يومياً، على أحد الأرصفة أو الساحة، علاقات صداقة وأخوّة، إلا أن التنافس بيننا يأخذ منحى آخر في إظهار مواهبنا، فبمجرد رؤيتنا قدوم سيارة من بعيد يبحث صاحبها عن عمال، نهرع لنظهر لصاحبها خبرتنا للظفر بفرصة عمل نسد بها رمق عوائلنا.

أما “حسين” فهو ينتظر بشغف وكله أمل في احتياج أحد الناس الى عمال بناء، كي ينتشله من هذه البطالة القاتلة والانتظار والخوف من ذهاب يوم قد لا يجد فيه ما يسد به رمق عائلته والعودة الى منزله خالي الوفاض.

مساطر للنساء!

لم تقتصر مساطر العمال على الرجال، كما هو متعارف عليه, فاليوم أصبحت هناك مساطر للنساء تجمع المطلّقة والأرملة والشابّة والعجوز والمهجّرة والنازحة، وكل واحدة منهن بانتظار من يأتي ليأخذهن إلى العمل مقابل أجر زهيد يعين أسرهن على تحمل أعباء الحياة قد تكون في معامل الطابوق او لجني المحاصيل الزراعية أو للعمل في إزالة الأنقاض من الدور المشيدة حديثاً كثيرون هم أولئك الذين لم يستطيعوا الحصول على أبسط مقومات العيش، وكثيرون من يملكون المال ولا يعرفون مصدرها الشرعي. فالحلول مازالت عقيمة من أجل إعادة التوازن الاجتماعي بين الأفراد. فليس من المعقول أن تذهب ثروات البلاد لأفراد معينين وحرمان الآخرين منها».

إن أكثر الأثرياء في العراق اليوم هم من الشباب الذين لاتتجاوز أعمارهم الـ 40 عاماً، وتقدر ثرواتهم بالمليارات حيث تجهل أغلب المؤسسات الحكومية مصادر تلك الأموال الضخمة والطرق التي جمعت بها, هل هي مشروعة أم لا .

يرجح مختصون في الشؤون المالية بأن عدم فرض الضرائب بصورة واقعية وعدم وجود سجلات دقيقة لمؤسسات حكومية نزيهة تجعل الخوض في هذه الظاهرة مسألة مبهمة وغامضة بوجه المحلل للوضع الاقتصادي للبلد.