شيف عراقية تقلب الطاولة على الرجال!

435

آمنة عبد النبي /

في بلادنا يعترضها فيتو الرجال الذي يحصر مفردة (الشيف) أو المرأة الطباخة بالعمل داخل البيت فقط مهما كانت براعتها في المنافسة، أمّا في مطاعم السويد وعموم أوروبا فإنّ المرأة الشيف تأخذ مكانها بكلِ أريحية وتتسيد المكان ويأتمر الرجال العاملون جميعاً بإمرتها إيماناً منهم بقدرتها على القيادة أو انصياعاً لسطوة القانون.
واللافت للنظر أن المرأة هناك تبذل مجهوداً تدريبياً كبيراً كي تتأهل لمهنة الشيف،بينما في بلادنا نجد المرأة لا تفكر إطلاقاً بالدخول الأكاديمي في هذا المجال تجنباً للسخرية منها مهنياً ونعتها بـ “الطباخة”!
جدارة نسويّة
“الثقافة المجتمعيّة داخل السويد لا تحددها الفوارق بالقدرات البدنية بين الرجل والمرأة، إنّها ثقافة قائمة على المساواة في الحقوق، المساواة مدعومة بالقانون الذي لا يفرق بين رجل وامرأة”، هو أول الآراء النسويّة المحتجّة من الشيف السويديّة (آنا كارين) قائلة باستغراب:
لا وجود لعمل أو مهنة محتكَرة للرجال وعضلاتهم وأخرى بسيطة للنساء ورقّتهنّ، هذا احتقار ومصادرة لحقوقنا الإنسانية، وتطفيف لإمكانياتنا، العمل يتحدد بالمهارة الفكرية وبالقدرة على العطاء، استغرب حينما أسمع في البلاد الشرقيّة أن هنالك من يقسم المهن إلى ذكوريّة وأنثوية بحسبِ طبيعة المجتمع، أو يبيح لنفسه اختصاصاً ما ويمنعه على النساء، بأيِّ قانونٍ وبأيِّ حقٍ يصادرون قرارتهنّ، أنا شيف متخصصة أكاديمياً منذ عشرين عاماً، المهنة التي أعشقها منذ الطفولة، لأن المرأة في بلداننا الأوروبية تختار المجال المهنيّ الذي تجد فيه ذاتها سعيدة ومنتجة، مثلما الرجل، والضامن لحقوق كليهما هو القانون لا العادات، وفي ما يخص العاملين معي من الرجال، فبصراحة الرجل الأوروبيّ لا يجد أي حرج أو تقليل شأن في تنفيذ الأوامر، لا شيء في ثقافتنا من هذا القبيل، أما العاملون الأجانب، من العرب تحديداً، فقد يواجهون في البداية إلزاماً قانونياً بتنفيذ الأوامر، لكن مع الوقت أعتقد أنهم سيعتادون على التنفيذ بقناعة.
عنفٌ ذكوريّ
“أعنف ما يواجه المرأة في بلادنا هو القول إن الرجل الذي يمتهن المهن النسائية يكون أكثر إبداعاً وتفننّاً فيها، لم يكتفوا بسلبِ حقوقنّا المهنية وإنما صاروا يصادرون حتى ما تركوه لنا من فُتات الأعمال!” هذا الرأي الناريّ، كان للشيف العراقية المقيمة في أوروبا مُنذ سنوات (شيماء العلي) إذ تقول:
الأوروبيون، والسويديون حصراً، لا ينتبهون بتاتاً الى أن الشيف هنا امرأة أو رجل، هم يتبعون القائد بغض النظر عن جنسه لأن الكل يسعى لإتمام عمله فحسب، وهذا لا يتأتى من احترامهم للتخصص فقط، بل هو تعبير صريح عن احترامهم للمرأة أينما عملت وكيفما كان شكل وجودها في المجتمع، بعكس مجتمعنا الذي لا يشجع المرأة بصورة عامة على الولوج في أي مجال عمل صعب، فما بالك بمهمة يعتقد المجتمع الشرقي أن صاحبها الشرعي هو الرجل، فقطعاً ستُجبر المرأة على صرف النظر عن فكرة كهذه، شأنها شأن مهن أخرى، على سبيل المثال صيانة السيارات والعمل في قيادة المنشآت والنقل والمواصلات الرسمية التي تعمل فيها هنا المرأة بكل سهولة واسترخاء، تُقابل باحترام من الرجال قبل النساء.
تجربة نادرة
“لن يحقق الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، الهدف الذي يريد من دون السعي خلفه اذا ما كانت ذاته مدعومة بالإخلاص والرغبة والتحدي، اقتحام عرين الرجال ليس بالمهمة السهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضاً”، إنها خلود القيسي التي درست القانون وغادرته باكراً، لتكون بعدها “الشيف” العام لفندق بغداد، و”الشيف” الخاص للتتبيلات في مطعم الجنائن المعلقة، فضلاً عن تقديمها برامج المطبخ في قناة الفرات الفضائية، وحصولها على شهادة “شيف عام” وعضو نقابة الطهاة المصريين واتحاد الطهاة العرب. عن ذلك تقول: لي الشرف أن أكون أول امرأه “شيف” عراقية تحصل على هذه العضوية والشهادة على مستوى العراق، فحينما يكون زبوني الأول والدي، سيشجعني هذا الأمر بالتأكيد على اقتحام المجال الذكوري البحت الذي جعل مني رقماً صعباً وفريداً في المعادلة الاجتماعية العراقية التي تصرّ على وضع المرأة ضمن مجالات تخصصيّة بسيطة محدودة.
الأنوثة نضال
“مفهوم الأنوثة برمَّتهِ تغيّر هو الآخر من جيل إلى آخر، فحَظيت المرأة الأوروبية بحرياتٍ أوسع مقارنة مع نظيراتها في الشرق الأوسط أو الدول الآسيويّة”، هذا هو التحليل الاجتماعي الذي أدلت به الباحثة السويديّة المقيمة في ستوكهولم (ايڤا سلندر) قائلة:
الفضل الأول في ذلك يعود الى الحركات النسويّة التحررية، التي تجدينها حبراً على ورق في المجتمعات الأخرى، ولا سيما الشرقيّة، العالم الأوروبي تجاوز تهميش المرأة والاستخفاف بقدراتها سواء البدنية أو الفكرية، واذا كان هنالك ثمة نضال فلربما من أجل حقوق أوسع أو حتى لمزاحمة الرجال في أعمالهم، القوانين الأوروبية حوَّلت كل المهن التي يحتكرها الرجال سابقاً، كالسياسة وألعاب القوى والفضاء وقيادة الشاحنات، الى دساتير مساواة اجتماعية وقانونية، خضع فيها الرجل لمهارات النساء، وحتى المجالات التقنية التي كان يتفوق فيها الرجل بدنياً، تجدين المرأة أصبحت تفوقه فيها، علماً بأن الإناث والذكور على حدٍ سواء صاروا يتلقون التدريبات الرياضية في مجموعات مختلطة بشكل بديهي.