فـــــي بيتنــــا عائلــــة تكنولوجيّـــــــة

77

عمر ساجد السامرائي
كاريكاتير / عامر آل جازع/
كثيراً ما نسمع أن الأطفال يمتلكون جهازاً مناعياً أقوى من الذي يحمله الكبار ويتفاعلون معه، وكثيراً ما نسمع أن للطفل طاقة تختلف عمّن برح سني طفولته، وهنا يجب الإشارة الى تدريج السنوات ومراحل التحديث التي يعتقد أنها تتسبب بتدمير تلك الأجهزة المناعية،
في الأعوام التي سبقت العشرين سنة الأخيرة وقبل دخول التكنولوجيا الملوثة، كلنا لاحظ أنه لم يكن الأطفال يمرضون كما اليوم بهذه الكثرة والسرعة، باعتبار أن العقاقير الطبية والمواد الكيمياوية لم تدخل إلى أجسام الأطفال إلا ما قلّ وندر، ولم تكن المعقمات ووسائل التنظيف كما نراها اليوم في كل البيوت، كما لم يكن الاهتمام بالجانب الصحي بالمستوى الذي نتخيله أو نراه في وقتنا الحاضر، ومع هذا وذاك كان الأطفال يتمتعون بحالة صحية فوق الممتازة، وبجهاز مناعي أقوى مما عليه أطفال اليوم، (والقادم أسوأ) إن بقينا على هذا المنوال.
سراق الفطرة السليمة
أما التربية فكانت حكراً على الآباء والأمهات باعتبارها تمثل قواعد الأسرة المتينة، وأخذ المعلم دوره الحقيقي في التعليم مع التربية، حتى صار قدوة تحتذي به الأجيال. كان الطفل (تربية أهله)، إذ تصنع الأسرة أبناءها كما تريد وكما يجب ان يكونوا. مثلاً، في (مدرسة ثقيف الابتدائية المختلطة)، حيث مدرستي (الشبيهة بالكلية)، بتفاصيلها التي لا تمحى من الذاكرة، بعمرانها، وصفوفها، وإدارتها الأخاذة، مكوثاً عند حدائقها الجنائنية التي لا تنسى. مع (أم فالح) فرّاشة المدرسة الحنون، والمعلمات النبيلات، وبقية التفاصيل الصغيرة والذكريات الجميلة، التي لا أذكر يوماً طيلة السنوات الست أني دخلت المدرسة بعد الساعة الثامنة إلا ربعاً قط، ببساطة كانت الأسر العراقية لا تسمح لأبنائها بالتأخر على مواعيد الدوام بدافع الحرص والتعليم على احترام الوقت والموعد، كان اليوم ينقضي بين الدراسة واللعب، بجداول زمنية لا نكاد نجرؤ على تجاوزها، كل شيء بميعاده وتوقيته، النوم، والاستيقاظ، واللعب، والدراسة، وحتى الأكل، لكلٍّ وقته وميعاده الذي لا يُخلف.
قنوات خطف الأطفال
لم تكن العقوبة أكثر من (خزرة) بالعين تكاد تجمد الدم في العروق، تُفهم أنّه (كفى)، أو أننا عملنا شيئاً خاطئاً، ولا تُنسى تلك النظرة حتى المساء، بعدها نلجأ للنوم هرباً من العقوبة المحتملة بعد تلك النظرة. الى أن جاء اليوم المشؤوم، حين دخلت التكنولوجيا البيوت، فأصابت الأسرة بالتفكك المرسوم له، إذ يتعمد القائمون على وسائل الإعلام المختلفة بصنع قنوات فضائية موجهة للأسرة وأخرى للأطفال، فنرى اليوم ذاك الكم الهائل من القنوات الفضائية الموجهة للأطفال، التي تحظى بالاهتمام من قبل القائمين على إرسال الرسائل الضمنية والمباشرة، العاملة على تغيير السلوكيات وتغيير المفاهيم والقيم الاجتماعية التي تبنيها الأسر لأطفالها. اليوم، يتعرض الأطفال لبرامج متنوعة بقنوات مختلفة، كلها موجهة لخطف الأطفال وسلب طاقاتهم وتقويض براءتهم، لأن موجهي تلك البرامج مدركون ومؤمنون بأن الأطفال هم النواة الحقيقة للأسرة والمجتمع بأكمله، وبخاصة أن كل طفل سيصبح أباً وكل طفلة ستصير أماً، وكلاهما مشروع أسرة تصنع جيلاً آخر.
غزو السلوكيات الدخيلة
إذاً، تحققت بعض الغايات، فقد خرج الأطفال من أحضان أمهاتهم، وقذفوا في أحضان الشاشات الكبيرة والصغيرة، حتى أصبحوا تربية أجهزة التلفاز والموبايل، التي بدورها زرعت سلوكيات دخيلة على الأطفال، ودست فيهم قيماً وعادات مغايرة تماماً لتلك التي تسعى الاسرة أن تجبل الأطفال عليها.
فلم يعد للآباء والأمهات الدور الحقيقي في التربية، ولم تعد للمعلم المكانة الأولى التي يحب أن يكون فيها، تبدلت أخلاقيات التعامل داخل الاسرة وخارجها، وتغيّرت الأدوار. لقد صار الأب آلة تعمل على كسب لقمة عيش الأسرة، والأم شغّالة مهمتها الطبخ والتنظيف، والمعلم موظفاً ينتظر موعد راتبه الشهري، وغدا الأطفال عجينة تشكّلها وتربيها البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي عبر برامجها المعدة لهم بقصدٍ أو بغيره.
أين كونترول العائلة؟
السؤال هنا: كيف نوقف هذا الخراب الناعم؟ ماذا يشاهد الأطفال على الشاشات؟ ما البرامج التي يدمنونها؟ لماذا هذه البرامج تحديداً؟ ما سبب الإدمان على تلك القنوات والبرامج؟
الجواب: إن الأسرة لا تحتاج الى أكثر من الانتباه وإعادة النظر الى ما يتعرض له أطفالهم عبر شاشات التلفاز والموبايل، برامج (شفا، ماشا والدب، نيكي وفلاد، ديانا وروما، الخ) وغيرها من البرامج والقنوات الموجهة التي يدمنها الأطفال، ولاسيما أن لكلّ منها رسالة وغاية، وكلّ منها يعمل على ترسيخ مفاهيم جديدة، وقيم مغايرة، وعادات مختلفة، تعمد بمجملها إلى تغيير سلوك الطفل لسلخه عن أسرته وبيئته.
وبذلك نقدم دعوة للآباء والأمهات كافة أن يهتموا بأطفالهم، ويمنحوهم بعضاً من الوقت، وأن يملأوا أفئدتهم بالحب والعطف والحنان، وألا يسمحوا لهذا التفكك الأسري أن يسري من خلالهم، وبخاصة أن لكل منا دوراً يجب أن يأخذه، لكي نعود بالأجيال الى تلك الأسرة العراقية المتماسكة، ونعود بالأطفال إلى لطافة براءتهم وأذهانهم الخالية من خبث التكنولوجيا. كي نعود معاً إلى صفاء زمنٍ جميل نقي.