في “هرج” مقداد عبد الرضا.. بغداد تستعيد وجهها المبتسم

896

عواطف مدلول/

حينما تعم الفوضى من حولنا وتفرض علينا حياة خربة ملوثة بالضجيج، تصبح سنوات أعمارنا لا عنوان لها غير الضياع، لذا يعد التوقف عن الخوض بتلك الدوامة هو الخيار الأفضل للإنطلاق في البحث عن فسحة نستنشق منها نقاءنا، ونسترجع من خلالها بعض من هدوئنا وسلامنا الداخلي بعيدا عن كل مايحصل في الخارج من هرج ومرج.

بين الفوضى التي تحيط بها وتعمل على فرض عتمتها وضجيجها على حياتنا، وتجعل من أيامنا وأعمارنا مجرد عنوان للضياع، ثمة أناس يصنعون الفرح من وسط الأحزان ويستنشقون الهواء النقي من بين براكين الدخان.

مقداد عبد الرضا احد صناع الجمال انسحب من حياة العتمة ليصنع لها صورة مصغرة عن حياة احبها وجمع حوله محبيه وذكريات بغداد الجميلة.

مدينة الجمال

يؤكد الفنان مقداد عبد الرضا انه واحد من أولئك الذين دفعتهم رائحة الزحام الكريهة (بكل أنواعه) والتي أنتشرت مؤخرا في بغداد الى الانسحاب معلنا الخلاص النهائي بطريقته الخاصة، حيث عمل على بناء مملكة يفوح منها عطر الصمت، تفاصيلها المتواضعة تحمل ملامح جمال مشابهة لتلك المدينة التي طالما عشقها منذ الطفولة، فقد أفتتح مقهى ثقافيا أطلق عليه تسمية “هرج” ليصبح ملاذا آمنا لكل من يرغب في الانصات الى ذاته ورؤية صورة بغداد القديمة كما عرفها سابقا.

عبد الرضا قال لـ”الشبكة”: في هرجي هذا صنعت عالما مفعما بالسكينة والطمأنينة، مكانا أستقبل فيه بترحاب كل انسان ليس بروحه هرج، من هؤلاء الذين يحبون بغداد بقدر عشقي لها ويحتفظون بذاكرة جميلة لها خالية من أثار الدمار الذي لحق بها، ولذا جعلته يذكرني بأصالتها وفرادتها وأعتبرته بمثابة (بغداد الصغيرة الجديدة) التي مازلت أحزن وأتالم عليها لأنها تعثرت كثيرا وتلقت ضربات قاسية على مر الزمان لاتستحقها.

عزلة وسلام

• هل هذا كان السبب وراء لجوئك للعزلة مؤخرا؟

– نعم انه السبب الرئيس حيث أضطررت للانزواء حتى صارت لقاءاتي نادرة بالناس، برغم أنني محاط بكثير من الأصدقاء، أحبهم وأعتز بوجودهم في حياتي، لكن هذا الهجوم العنيف على بغداد جعلني أغلق ابوابي، لعلني التقي بهولاء الناس (المتميزون بأختلافهم ونظرتهم تجاه الأمور) في بغداد الصغيرة الجديدة، كي نجتمع تحت خيمة حبها من دون التفكير بانحياز لجهة معينة والتطرق الى السياسة والدين، ليبقى السلام والجمال هما الأساس الذي ننطلق منه، خاصة أن (هرج) تحمل أغلب المعاني الانسانية الرائعة التي تكاد تتلاشى وتغيب عن بغداد.
لملوم حلو

• ما أبرز تلك المعاني؟ وماذا يتضمن ذلك المقهى من مفردات؟

– يضم كل وسائل الراحة والاسترخاء متجاهلا كل المنغصات خارجا، إذ يختلط به تشكيل ممزوجا بطعم القهوة من موسيقى، سينما، رقص، أفلام، غاليري، صور، لوحات، كتب، معظمها روايات وشعر وسينما.. “لملوم حلو” إذا جازت التسمية، في نيتي التوسع بطرح أهتمامات أخرى، خاصة أن غالبا مايقال أن النساء لايقرأن السينما ويفضلن كتب الحب سأجتهد من أجل استقطابهن وجذبهن.

• تمتلك أرشيف صور عن العراق، هل سيكون له نصيب من الحضور في “هرج”؟

– الصور الفوتوغرافية موضوع آخر ولدي كل مايخص تاريخ العراق منذ بداية القرن الماضي، أفكر بتحويله الى متحف ربما.. لا أعرف بالضبط لم أقرر بعد، إلا أن هناك مشروعا ضخما سيأتي لاحقا بعد هرج فأنا لا أحب العجالة بتنفيذ مخططاتي وأفكاري، لذلك عادة ما أتهم بالكسل بحيث حتى هرج كان مشروعا قديما.

• هل أكتمل هرج؟ وماذا لو لم يحقق ربحا ماديا لك؟

– مازال ينقصه كثير من الأمور التي ستأتي تدريجيا وقد كنت أفكر بتهيئة لوح أعلقه ليكتب كل صديق يأتي للمكان شيئا ما كي تبقى بصمته حاضره فيه، لكن أستبدلته بتخصيص سجل لتدوين الآراء والانطباعات حول المكان وقد يظن البعض ان افكاري جنونية غير تقليدية، الا أنها ممتعة كونها تبعث في النفس الرضا والسرور لذا في “هرج” لن أسعى لربح مادي وسأكتفي بالربح الذي يسدد قيمة أيجاره فقط.
نصف المجتمع

• ما برنامج عمل هرج بالمستقبل؟

– نظمنا جلسات شعر وموسيقى وأسعدتنا شخصيات ثقافية وفنية واجتماعية بزيارتها لنا وهكذا سنتواصل. فالطبخ على نار هادئة أفضل من أحتراق الطعام، وفي المستقبل هناك أفكار أخرى منها الاتفاق حول تأجير المكان لكل من يرغب بأستثماره لوقت محدد أو يوم كامل لتنظيم المناسبات الشخصية والاجتماعية، وبالذات المرأة سيفتح هرج أبوابه لها للتنفس بعيدا عن ضغوطات الحياة، لأن ظروف المجتمع ستخنقها وهي تحتل النصف فيه.. إذن متى تستمتع وتأخذ حقها؟.

• أخيرا…ماذا يعني لك إختيارك ضمن نخبة من الشخصيات المعروفة لوضع صورتك على أحد طوابع البريد؟

– أنها طريقة معروفة في كل العالم وقد بعثت لي دائرة البريد دعوة لذلك وهذا يحصل لأول مرة في العراق، ويمكن أعتباره من إيجابيات الزمن الحالي التي لايمكن نكرانها، أنا مسرور جدا لتلك المبادرة وهي تقدير كبير لي، لذا سأستعين بصورة ألتقطها صديقي الفنان لطيف جيجان بالمتنبي.