قانون عمل عادل ونافذ الحل الأمثل لديمومة الحياة وتوفير الوظائف

194

آمنة عبد النبي /

يمرّ الوقتُ في بلادنا مهدوراً مثلما يمرّ “المكاريد” فوقَ شوارِعِها بأرزاقٍ هشّةٍ مرهونةٍ بأسعار براميلِ البترولِ الغادرة، إذ لم يعد ثمة منافسَ لإيراداته بعدَ تضاؤل الإيرادات الأخرى جرّاء تجريفِ الحقول وشلِّ الصناعةِ وغياب أية تشريعات تحمي الشباب المتعلمين أو غير المتعلمين من الوقوف في الطوابير انتظاراً لفرصة عمل قد لا تأتي أبداً.
ترى ما حكايةُ السوقِ الأوروبيةِ الحرّة والمواردِ الضريبيةِ التي وضعتْ شعوبها على لائحةِ الأكثرِ رفاهيةً وسعادة، ولماذا لا نملكُ في العراق قانونَ عملٍ عادلاً بضوابط صارمةٍ تنقذُ شبابَنا من نخاسةِ القطاعِ الخاصِ وتمتصُ فكرةَ هروبِ الجميعِ نحوَ القطاعِ العام للاحتماءِ بمظلتهِ المعيشية المختنقة.
عزيمة وخذلان
روحيّة هادئة تشبه زرقة بحيرات ستوكهولم، كانت طاغية على حديث (الماكييرة) العراقية المغتربة (رفل نعيم) وهي تروي تجربتها المهنية:
غادرت العراق بصحبة شهادة الإعدادية، لكنني طوّرت مهاراتي بشهادة اللغة أولاً ثم بشهادة خبرة في مجال التجميل مدفوعة الأجر من مكتب العمل، الذي يتحمل قانوناً مصاريف المقيم الراغب في الدخول إلى سوق العمل والخروج من دائرة السوشيال. على إثر ذلك، قدم لي المكتب فرصة للتعاقد مدة سنتين مع مركز تجميل، تراكمت فيهما خبرتي، وحصلت بعد ذلك على عقدٍ دائم بثماني ساعات يومياً يشمل أحياناً العطلة الأسبوعية، لكن بأجرٍ مضاعف، ولديّ ضمان صحي وتأمين مدفوع في حال أصبحت عاطلة، وفي نهاية كل سنة أُمنح إجازة خمسة أسابيع مدفوعة الأجر، أتذكر مرة أني أصبت بعارضٍ صحي مُنحت على إثره إجازة طبية لمدة شهرين مدفوعة بنسبة ٨٠٪ من دخلي.
في الجهة المقابلة لتلك الحياة الأوروبية المؤمّنة بضمانات إنسانية عادلة، لم يجد الخريج العراقي العاطل (أحمد الزبيدي) سوى الرضوخ لنخاسة القطاع الخاص هرباً من كابوس البطالة، يقول بخذلان:
أعمل يومياً عشر ساعات متواصلة بأجر شهري بخس لا يتجاوز الأربعمئة دولار، وأتمتع بإجازة يوم واحد في الأسبوع، وليس لديّ أي ضمان صحي أو تأمين، وقضية استمرارنا وتسريحنا خاضعة لمزاجِ صاحب العمل.
احتياجات وإنجازات
الإعاقة بجميع أنواعها تُعدّ حلقة مهنية ضائعة في عشوائية مجتمعاتنا، غير أن (مهند الكاظمي)، المغترب الذي يعاني عجزاً بصرياً شبه كامل، حصل على فرصة عمل في متاجر (الإيكيّا) السويدية بعد تأهيله، يقول عن تجربته في العمل:
لديّ عجز كبير في الرؤية لدرجة الارتطام بالأشياء، وهو ما صُنفت لأجله طبياً من ذوي الاحتياجات، وضمن القانون يتيح لي هذا العجز الانضمام لشركة (سامهال) الخاصة بتوظيفنا في عملٍ مناسب، تسبقه طبعاً مرحلة تأهيل مهنيّ اجتزتها بمهارة وحصلت بموجبها على عقدٍ دائم، لم يعد في حياتي شيءٌ مختلف عن الآخرين، دخلي متوزع بين ضمان صحي وفواتير وإيجار، لكني أتمتع بكافة الامتيازات والعطل المدفوعة الأجر.
في المقابل، ما يزال (حمزة الياسري)، المهندس العراقي الاول على دفعته في مدينة ميسان، عاطلاً عن العمل بسبب إعاقة في قدميه تسببت برفض توظيفه مرات عدة، يقول بألم:
قدمت طلباً للتوظيف إلى عددٍ من الشركات الموجودة، واجتزت الاختبارات والشروط المعلنة في الموقع الإلكتروني بمهارة، وحينما كنت أصل في نهاية المطاف إلى إتمام الموافقة والاختبار في موقع الشركة، أواجَه هناك برفضٍ مباشرٍ وصريح بسبب (التقوس الخلقي) الذي أعانيه في قدميّ، علماً بأنني من المهندسين الأوائل على الكلية وأجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة.
ثقافة وقانون
“قانون العمل والتأمين في السويد لا يميز بين فرد وآخر، بل إن الجميع سواسية في المهنة والتخصص، قطاعاً خاصاً أو حكومياً لا فرق.” هكذا بدأت (ماري سلندر) المسؤولة في مكتب العمل التابع لمدينة (ياڤلا) السويدية، قائلة:
بلادنا تعتمد رفاهية ممولة من السوق الحرّة وضرائب الدخل، وآلية تسجيل العاملين وتوظيفهم ينظمهما قانون عمل عادل في مكاتب العمل، لأن كل موظف أو عامل مُرتبط بعقد موثق ومقرر فيه العمل ثماني ساعات يومياً، وما يزيد عنها يحتسب بأجرٍ جديد، أما العمل في أوقات العطلة الأسبوعية فيكون بأجرٍ مضاعف، ويتمتع العامل بخمسة أسابيع إجازة سنوية مدفوعة الأجر، فضلاً عن ذلك يأخذ الزوجان اللذان لديهما طفل إجازة مدفوعة الأجر مدتها (٤٨٠) يوماً، أما الإجازة المرضية فتدفع بنسبة ٨٠٪، أما العاطلون عن العمل فيحصلون على راتب شهري بنسبة ٨٠٪ من صندوق التأمين ضد البطالة، لدينا أيضاً شركات حكومية مثل (سامهال) التي تتخصص في تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة وتوظيفهم.
فساد وإهمال
الاقتصادي والمحاسب القانوني في ديوان الرقابة المالية العراقية (د. أسعد خليل) تحدث باستفاضة مُحزنة، قائلاً:
لدينا قانون العمل ذو العدد (٣٧) لسنة ٢٠١٥ الذي يحدد التزامات رب العمل وضمان حقوق العاملين في القطاع الخاص والأجراء والمتعاقدين في القطاع العام، لكن لا توجد ثقافة عامة لدى العاملين لتسجيل أسمائهم لدى دوائر العمل رغم أن القانون لم يتطرق إلى تحديد الرواتب والأجور للعاملين في القطاع الخاص، وترك لرب العمل تحديد ذلك، ويتم تحديد الحد الأدنى للأجور فقط لأغراض استقطاع حصة الضمان الاجتماعي، هذا فضلاً عن عدم وجود إجراءات قانونية صارمة بحق أصحاب العمل تلزمهم بتسجيل العاملين لديهم لدى دوائر العمل وضمان عدم تسريح العاملين دون عذر مشروع، على العكس من الدول الأوروبية، أو الرأسمالية، التي تعتمد على اقتصادات متنوعة وسياسة السوق المفتوحة في تنشيط اقتصادها بضوابط قانونية صارمة، أما العراق فيعتمد على اقتصاد أحادي المورد نتيجة فشل قطاع الزراعة وانعدام الصناعة، فضلاً عن التهرب الضريبي، إلى جانب الفساد في الدوائر والمنافذ الحدودية، ما يتطلب عمل (باركودات) للبضائع والسلع المستوردة مصادقة من الملحقيات التجارية في الدول الأخرى وربطها بـ (سيرفر) مع دوائر الضريبة.