كورونا يحفز التكافل ويعمق التعاطف الإنساني

297

#خليك_بالبيت

آمنة عبد النبي /

محنة وبائية عصيبة حوّلت وجه العالم وملامحه العمرانية البهيجة إلى مدن أشباح حزينة، لا وقع لإطارات العجلات في الشوارع ولا لأقدام المارّة على الأرصفة وبات السلام عليكم مصحوبا بتشابك الأيدي والقبل من أرشيف الماضي والمحرمات على العراقيين وجميع بلدان العالم حرصا وسلامة عليهم من هذا العدو غير المرئي الذي حصد الآلاف من الأرواح إلى درجة تحويل المتنزهات العامة إلى مقابر في بعض دول العالم بعد أن عجزت المقابر عن استيعاب أعداد الضحايا.
ترك المصافحة والتقبيل واستبدالهما بالعلاقات الافتراضية والتفاعلات الرقمية، هو نتاج القلق الطبيعي الذي توحده فكرة الخوف من الموت وشبهاتهِ، غير أنّ ما لمسناه بين غالبية العوائل المحجورة سواء بداخلها أو مع بعضها، هو شيوع حالة من التقارب ونبذ الخلافات والقطيعة لا سابق لهما في المجتمعات الإنسانية.
تعزيز لمتانة العلاقات
الفقد إحساس فظيع يُجبر الإنسان على البحثِ عن ملاذ يحميه من الأخطار، لذلك سيقوم بإعادةِ جرد لعلاقاته الحميمية المستلبة منه سوى داخل ذاته أو محيطها.
هذا الرأي العراقي المحمّل بعطرِ بلاد اللاڤندر والتوليب هولندا، كان للسيدة (بشرى الطائي): ما لا تعرفونه أن اتساع رقعة القطيعة ما بين المغتربين أنفسهم هنا، أكثر من اتساعها ما بين المغترب ووطنه للأسف، ولكم أن تتخيلوا مضاعفة القطيعة، لكن بالأمس فوجئت باتصالٍ من صديقة تزن صحبتها على قدرِ منفعتها، كان آخر اتصال بيننا قبل سنتين، علماً أنني راسلتها لأكثر من مرة ولم تُجب فتركت الأمر واحتفظت بموقفها السلبي، حينما رأيت اتصالها بادئ الأمر تصوّرت أنّ الود الافتراضي خلفه مصلحة ما ولكن صُدمت بتأسفها وخجلها وحزنها على ما يحدث للناس في جميع بقاع العالم.
مضيفة: أنّ محنة الكورونا أفرزت وعيّاً إنسانياً لافتاً، فالأمر لم يقف عند حدود نبذِ الخلافات، وإنما دفع هذا الوباء القاتل بعض الرجال نحو الانتباه إلى كمية التقصير تجاه الزوجة وكذلك الجهل بما تتمتّع به العائلة من سلوكيات لا يمكنها الظهور الّا بالجلوس معهم ومعرفة التفاصيل الدقيقة لحياتهم اليومية.
الفراق شعور قاتل
القطيعة الإجبارية وضمن التوجيهات الطبية الخاصة، حتى لو وقعت فلا يمكن احتسابها كما لو كانت خيار الناس المريح بالابتعاد والخصام!
كان رأي الإعلامية والناشطة بمجال الحريات (أسماء عبيد) قائلة:
الشعور بفقدان الأحبة شعور قاتل لا يمكن تجاهله لأسباب خلافية أو قطيعة تفرضها ظروف معينة، ربّما لن يلتقوا ثانية أو قد تطول مدة الحجر وقد يصاب أحدهم بالفايروس ويفقد حياته، كل ذلك جعل مشاعر الناس تهتز بقوة وتستشعر الحاجة إلى التقارب لدرجة صرنا نطالع تسجيلات صوتية وفيديوية يخالف فيها الناس تعليمات الحظر ويذهبون بكامل عدتهم الوقائية في زيارات خاطفة لأقارب أو أهل أو أصدقاء في المنطقة ذاتها، ربّما هذا الاشتياق جعل الناس أكثر قربا وهي حسنة تحسب لأزمة كورونا، وأيضا هناك من وجد نفسه مقصّرا تجاه أسرته وقلة اهتمامه ولا يجالسهم كثيراً لا سيما الرجال منهم تجاه زوجاتهم وأطفالهم وأهلهم لأنّهم رأوا وعاشوا عن كثب أيام الحجر المنزلي والحظر وما تعانيه الأسرة في الوقت الذي كان هو غائبا عن المنزل في العمل أو السهر مع الأصدقاء، رأوا بأعينهم تفاصيل لم يطّلعوا عليها سابقا ولمسوا معاناة النساء اللواتي هن الأخريات أيضاً حاولن تعويض ما قصّرن به سابقاً لارتباطهن بمقتضيات العمل.
قلق ومبالغة
وسط الكارثة التي حلّت بالعالم، سيكون لافتاً – إن عشنا – ولا يراودنا السؤال المقلق هل يمكن أن تندثر المصافحة كتحية اجتماعية على المدى البعيد؟
رأيٌ ثقافي محتج على كل مروّجي ثقافة الاشمئزاز من التقارب الاجتماعي، كان للكاتبة ( سارة البغدادي): شخصياً وبعد فايروس كورونا ساعترض على كل من يروّج لثقافة التلذذ بالوحدة، أولئك المهووسون بالعيش داخل سرديات الغضب وتشجيع القطيعة، سأكون ممتنة لكل تلك الازدحامات والمناسبات التي كنّا ندفن فيها أنفسنا ونعبّر عنها بالأحضان والتحايا والمصافحة التي لا تتعبنا بقدر ما ترمّم أرواحنا، ولجميع الناس الذين اختلفنا معهم او حتى لا نعرفهم وتفضّلوا علينا بوجودهم حولنا، حتى تلاقح وجودنا بوجودهم وتجاوزت أرواحنا الاختناق من محدوديتنا الفردية.
تقاليد مبالغ فيها
(مريم ماهر) المختصّة بمجال السكرتارية، احتجّتْ على من سبقتها بشأن فكرة تقارب الأمكنة باعتباره لا علاقة له بمستوى الاهتمام أو نبذ الخلافات أو حتى الشعور بالتقصير تجاه من نعايشهم أسرياً او اجتماعياً، قائلة بهدوء:
أصبحنا نُديم الجلوس مع بعضنا، التقارب بحميمية أكبر، وهي سلوكيات اختيارية، سواء غبنا عن وجوه بعضنا أو التقينا، والدليل انه ما تزال ضمن إطار عائلتي بأقاربنا الكثير من الخلافات سواء ما بين الوالد والأقارب وما بين الوالدة وأقاربها أيضا، ما لمست أي مخطئ بحقنا قد نكر ذاته واعتذر لنا، أما قضية تناسي التقبيل والمصافحة، فأنا أجدها بكل وقت عادة غير مستحبة بالنسبة ليّ واتمنى تركها، سواء بزمن الأوبئة او في الحياة الطبيعية، ولا استطيع ربطها بتقريب النفوس والمسافات الروحية، لأنّها جزءٌ من عاداتنا الكثيرة التي تحتوي بداخلها على المبالغات والذوقيات الخاطئة وليس لها أي صلة بالمحبة.
جمال افتراضي
اذا كان ما يحظر الناس ويمنعهم عن طلب غفران المحبة بعد عقود من الجفاء، فأنا ومجموعة من الشباب الافتراضيين لم تجمعنا غير شاشات السوشل ميديا!
(حيدر الجريخي) رجل أعمال، كانت له لمسة إنسانية غريبة، ميزتها نادرة الجمال، أوجزها بالقول :لا أحد يعرف عن الآخر ما مذهبه وأي دين يعتنق، كان همّنا كيف نشكّل خلية عمل إنسانية تدعم العائلة الفقيرة مادياً ومعنوياً لا سيما بعد فتوى التكافل الاجتماعي، تلك العوائل التي لم نكن نعرفها أصلاً ولا شأن لنا باتجاهاتها وانتماءاتها سوى ما تحتاجه عوائلنا المتعفّفة من أصحاب الدخل المحدود باعتبارهم الشريحة المتضرّرة من هذا الشلل الذي أصاب الحياة في جميع مفاصلها، وكيفية مدّ يد العون والمساندة لهم سواء بالمعونات الغذائية التي تسابق الجميع في تقديمها أو المعونات الطبية التي نتكفل بإيصالها لقواتنا الأمنية التي تتكفّل بتوزيعها، وللأمانة نقولها إنّ هذه المحنة الإنسانية أفرزت حسّاً إنسانياً يمكن استحضاره بلا مقدمات وروتينات، وأصبحنا بين ليلة وضحاها بمثابة الأهل والأصدقاء وكأن تلك المشاعر الصادقة تجمعنا منذ سنين وهذا هو ديدن الشعب العراق كما يعرفه التأريخ .
تآزر وإيجابية
تحدٍ وإحراج كبيران سبّبتهما المصافحة والتقبيل لمجتمعنا العراقي المحكوم بتقاليد الضيافة.
هذا الرأي المسالم كان للناشط في مجال حقوق الانسان (مثنى السعيدي)، مكملاً حديثه بشفافية: أنا أرى أن نبذ الخلافات والتقارب كان له بعدٌ واقعيٌّ فعالٌ باعتبار أن الجائحة القاتلة فرضت على الفكر إعادة النظر في قراراته المتشنجة، وبالتالي قلت الضغائن وأصبح الانسان أقرب للهدوء والمسالمة، أضف لذلك أنّ هذا الحظر جعل لنا هواجس كثيرة أهمها المبالغة في الاطمئنان على بعضنا، سابقاً فقط كانت أيام العطل والجمع لكن اليوم فُعلت برامج التواصل بشدة وصرنا نسمع بأنّ الكثير من الأقارب والأصدقاء المختلفين لم يتصالحوا فقط وإنما تآزروا، وبخصوص المناخ الأسري الجديد بتواجد الاب المستمر فقد صار كثيف المشاعر وأفرز جوانب اجتماعية مهمة بغض النظر عن الجانب الهزلي بالسوشل ميديا، إذن الكل مُجبر على الخضوع تجاه تلك المنطقة الإيجابية المحظورة.