كيف يجب أن نتعامل مع شخص مفجوع؟

902

رغد عبد الزهرة /

في ظلّ ما يواجههُ العالم ككل وبلدنا على الأخص من كوارث، صار لزاماً على كلّ شخص أن تكون لهُ معرفة بأساسيات الإسعاف النفسي. فنحن لسنا قادرين على تغيير الماضي، إذا حدثَ وكنت في موقع إنفجار، أو حريق أو سرقة أو فيضان أو أي حدث مماثل فقد تكون قادراً على تخفيف ألم شخص مفجوع بمساعدة بسيطة لا تكلفك مالاً ولا الكثير من الوقت.

ذلكَ أنّ الفواجع ليست في عدد الأشخاص الذين فقدوا حياتهم وحسب، بل في أثارها على نفسية من تبقى ومن شهدَ الكارثة، هذهِ الأثار إذا ما تُركت بلا مراقبة قد تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه في السنوات التالية، ومما لا شكَ فيهِ أنّ العنف الذي يتعرض لهُ الإنسان العراقي بالأخص وكمية المآسي التي يحملها كل فرد منا هذهِ الأيام، ستكون لها آثار مخيفة في المستقبل، لكن يندر أن يتعرضَ أحد لذلك بالدراسة النفسية للأسف.

ما هو الإسعاف النفسي، إذن؟ الإسعاف النفسي هي مجموعة فعاليات تُشبه الإسعافات الأولية، وتُعتبر أمتداداً لها، لكنها موجهة بالذات إلى حالات ما بعد الكوارث والصدمات النفسية، وهو أمر حديث نوعاً ما، ذُكر منذ الثمانينات في بعض كُتب الطب النفسي، لكن تطبيقه بصورة فعلية بدأ في العقدين الماضيين فقط، وصارت الدورات مفتوحة للأطباء والممرضين ومن ثم توسعت لتشمل كل طبقات المجتمع، لأن الحاجة إليها آنية في لحظة وقوع الحدث والأيام التالية له، وقد لا تتوفر في ذلك الوقت مساعدة طبية للمحتاج.

لكي تكونَ مُسعفاً نفسياً فأنتَ لست بحاجة لشهادة طبية، بل بحاجة لمعرفة أساس التعامل مع حالات كهذهِ، ترتكز مبادئ الإسعاف النفسي في الأساس حول التعاطف، والتعاطف هو فهمك للإنسان المفجوع وتفهمك لوضعهِ وإشعارهُ بالثقة ليتحدث وتُصغي إليه، فصاحب الفاجعة ليس بحاجة لأكثر من حديث في أغلب الأحيان.

ثمة نقاط مهمة حول طريقة التعامل مع شخص مفجوع، خرجَ للتو من كارثة فقدَ فيها ما فقد.

ذلكَ أن اسوأ ما تفعلهُ هو أن تخبرهُ بالحل! أو ترشده بطريقة “إفعل هذا ولا تفعل ذاك”، أبداً لا تحاول أن تكونَ وصياً على الشخص الحزين، فهو بكامل قواه العقلية، كونهُ مُصابا بصدمة لا يعني أنهُ فقد عقله، فهذهِ أشياء تحدث للجميع، لكنهُ ضعيف في لحظة خسارته الحالية وضعفهُ بحاجة إلى إسناد، يتم بوجود الآخرين.. الآخرون الذين يُصغون إليه ويسمعون مشاكله ويخبرونهُ أنه ليس وحده في هذهِ الكارثة.

نقطة مهمة أخرى أن لا تُخبر المفجوع بسيناريوهات اسوأ، كأن تقول لهُ كان من الممكن أن تخسر حياتكَ أنت أيضاً. مثلاً كلامنا في التعزية في خسارات البعض بالقول: “بالمال ولا بالعيال” تعزية في غير محلها ومواساة لا تصلح، ذلكَ أنّ من أحترق بيتهُ أو خسر محله أو سُرقت سيارته أو مدخرات عمرهِ فقدَ الكثير بالفعل، وقد يعني ذلك البدء من الصفر وهو أمر صعب للغاية.

في مواقف كتلك كل ما عليك فعله -إذا أردت المساعدة حقاً- هو أن تكون مرآة بشرية، أن تُبينَ لهُ أنكَ تتفهم وضعه وتُقدر خسارته، أن لا تُهمل البعد النفسي أبداً، ولا تُسفه خسارته بالضحك أو التقليل من شأنها للتخفيف عنه. أن توفرَ التعاطف ولا شيء غير التعاطف، أنّ تجعله يتكلم، ويعي خسارته ولا يخجل من طلب المساعدة.

المواساة بطريقة “أنظر إلى الجزء المملوء من الكأس” مواساة فارغة، أنّ يفقد المرء عزيزاً وتواسيه بالوان من خداع الذات مِن قبل “هو في مكان أفضل” أو ” هو الآن مرتاح، كان متعذباً في حياته” كل هذهِ الردود خاطئة، إذ لن تجعلهُ يتقبل خسارته بإعتبارها حقيقة، بل ستتلون بالوهم، وكلما ابتعد غطاء الوهم وأنحسر لأي موقف كان، كلما أنفتح جرحه مجدداً وعاد إلى الانتكاس.

هذهِ المواقف الحدية -مواقف الخسارات والكوارث وما شابهها- التي يمر بها الإنسان، مواقف تحتاج للصدق مع النفس، وتقبل عجز الإنسان عن السيطرة على كل شيء، وهي مواقف على صعوبتها إذا ما تمت مواجهتها بإمانة فإنها تُرشد الإنسان إلى ما هو أبعد، تُرشده إلى أن يكون هو ذاته مستكشفاً داخله الباطن الذي كان خافياً عليه، ويستكشف كذلك قيمة الآخر المواسي في حالات الخسارة، ويعرف أهميته، ما يعزز ذلك السلم الاجتماعي، ويقوي أواصر المجتمع، بتعزيز روح المساعدة والمحبة بينهم.