معضلة الخروج من صندوق المطبخ الأزلي

520

عواد ناصر/

تُختزل المرأة، غالباً، في الحياة اليومية إلى “مدبرة منزل” إضافة إلى وظيفتها زوجة عليها أن تخضع لسلطة رب المنزل، زوجها.
نعم، هذه هي صورتها في الواقع، اليوم، ولن تخدعنا أفضل القوانين الدولية المتعلقة بـ “حقوق المرأة” بما فيها “حقوقها” التي أقرتها الأمم المتحدة، ضمن “حقوق الإنسان” أو “حقوق النساء”.

لكل قاعدة شواذ

قبل بضع سنوات طالبت النجمة الأمريكية شارون ستون، بطلة فيلم “غريزة أساسية”، سلطات هوليوود الفنية بالنظر إليها، وبقية زميلاتها ممن تجاوزن الأربعين، بالنظر إليهن بعين الرحمة لأنهن لم يعدن “صالحات للعمل”.

..”غير صالحات للعمل” تعني أنهن “خارج الصلاحية”- Expired -.

لكن فات هذه النجمة أن ميريل سيتريب استمرت في التألق حتى بعد أن تجاوزت الستين من العمر، هل يجوز لنا القول، هنا، إن لكل قاعدة شواذ؟

إذن، ثمة شعور يراود بعضهم، من النساء بأنهن ضحايا تعسف السوق بشأن نجمات السينما، أو المجتمع المعاصر برمّته، بخصوص المرأة العادية.

المثال السالف لا يعني إنكار ما تتعرض له النساء من تعامل دوني في أغلب دول العالم، بما فيها أكثرها ديمقراطية والتزاماً بحقوق المرأة.
المشكلة الأكثر خطورة تكمن في مجتمعات الشرق قياساً بالغرب، لأسباب معروفة، حيث الاستبداد الشرقي، بمجمله، حالة ذو تقاليد راسخة، والأكثر استبداداً في المجتمعات الإسلامية وإن تظاهرت دولها بالتقدم واللبرالية وحتى الاشتراكية (أذربيجان وأخواتها في كنف الاتحاد السوفييتي السابق).

الطبيعة البيولوجية للنساء

ينشأ الرجال والنساء، في الشرق الإسلامي، خصوصاً، على وفق تنميط وسيطرة وتربية خاصة، تتردد فيها أوامر وتوجيهات مثل “لا تضحكي (بصوت عال) لأنك بنت، أو “لا تبك كالبنات لأنك ولد”. بينما تلعب البنت بدمى “بناتية” مثل ملابسها بلون وردي والأزرق للأولاد وهم يلعبون بالمسدسات والرشاشات، بينما في الغرب الأميركي والأوروبي تلعب الفتيات كرة القدم بطلاقة جسدية مدهشة، بلا عقد، لكنهن لا يرقين إلى مستوى أقرانهن “الأولاد” ليخضن ضدهم مباراة مماثلة.

هنا، علينا أن نعود للطبيعة البيولوجية للنساء التي شاء حظهن أن يعجزن، فسلجياً، عن مجاراة أقرانهن الرجال في “ألعاب القوى” وغيرها من “الألعاب”.

النساء المنسيات في المطابخ و”الأمهات الممنوعات من التأوه”، حسب الروائي الأرجنتيني أرنستو ساباتو، والمنتظرات عند بوابات المقبرة صباح العيد في النجف الأشرف، لا يراهن عالم السوسيولوجيا ولا الباحث في جذور الألم الشعبي. إنما نجد كثيراً جداً من النساء في صورة المرأة إعلامياً وإعلانياً، لأن الباحث، هنا، سيجد الكثير من القصص الجديرة بالبحث، فهو ينساق أيضاً ضمن حمى البحث عن المرأة في الإعلام والإعلان، أما المرأة، الأم والزوجة والبنت والجارة والأرملة، فليس لها سوى فضاء غرفتها المعتمة، عالماً لا يطاله الضوء.

الجنسانية

تقع الجنسانية (الظاهرة الأبرز في التمييز على أساس الجنس: أنثى/ذكر) في لُب التعامل الاجتماعي مع المرأة وعلى ضوئها يجري توزيع الأدوار، بما فيها تقسيم العمل للتطابق مع مقاييس الثقافة الاجتماعية المكرسة، وإن اختلفت في الدرجة لكنها تتفق في المنهج والنتيجة.
تضرب الروسية أولغا فارونينا، باحثة اجتماعية، مثلاً بما قاله بطل الشطرنج يو. أورباخ بعد عشرين عاماً من النجاحات التي حققتها اللاعبة البلغارية في الشطرنج الرجالي، قال: “إنسوا أن بولغار امرأة” وهو تعليق ذكوري بامتياز يعني أن نجاح المرأة وتفوقها يسلبها أنوثتها.

وتشير فارونينا إلى إحدى العقد التي تصاب بها بعض الفتيات المراهقات وهي عقدة “الخوف من النجاح” لأنهن يخشين تهمة “انعدام الأنوثة” في حال حققن نجاحات ملحوظة في التعليم أو الفكر أو أي من العلوم المختلفة.

للإعلام دور خطير في تقديم صورة المرأة وتكريس هذه الصورة، مع ملاحظة الفروق النسبية بين الثقافات الاجتماعية، ففي العراق مثلاً يكاد الحظر الإعلامي يشمل جميع النساء المشتغلات بالرقص والغناء، وينظر إلى فنانات التمثيل، في السينما والمسرح والتلفزيون نظرة أقل ما يقال عنها بأنها “مريبة” أخلاقياً، حتى أن هذا الحظر، مباشراً أو غير مباشر، دفع عدداً من نجمات الغناء والتمثيل والرقص إلى أحد خيارين: إما الهجرة أو الركون في البيت، على أن السواد الأعظم من العراقيات هو “السواد الأعظم” حقاً، لاطماً ونادباً.
أما إذا تساهلت المؤسسة الإعلامية مع المرأة فهي تفتح لها باباً موارباً للمرور ولكن ضمن وظائفها الخدمية للرجل: أفضل الطرق لاستعمال الماكياج أو أهمية تنظيف البيت وكي الملابس وتحضير الوجبات الغذائية الشهية، وقد تقدم امرأة برنامجاً تلفزيونياً ولكن عن الطبخ، طبعاً مع استثناءات اتسعت بعد التغيير 2003 .

تنميط المرأة

يتناسب تنميط المرأة طردياً مع تطور الحريات العامة في كل مجتمع ومستوى وعي أفراده باحترام المرأة وحقها في التعبير عن نفسها أسوة بالرجل، فكلما تطورت هذه الأمور تحسن وضع المرأة وفتحت أمامها فرص أكثر للظهور والخروج من صندوق المطبخ الأزلي، لكن لا يعني هذا أن المجتمعات المتطورة كفت عن تأطير النساء وتنميط صورتهن التقليدية، إذ لم يغير التقدم الاجتماعي وسن القوانين الخاصة بحقوق النساء أحوالهن بشكل حاسم ومثير للإعجاب، وهنا تكمن خطورة التصفيق لمشهد المرأة الغربية، مثلاً، برغم ما حققته من تقدم على طريق نيل حقوقها الأساسية وأحلامها الكبيرة أو الصغيرة، ولو أخذنا وضع المرأة في بريطانيا، كمثال، فثمة الكثير من القوانين التي تحمي المرأة وتصون حقوقها، في فرص التعليم والعمل وحرية التعبير، واستحقاقاتها في السكن والطب وإنصافها في حالة الطلاق أو الانفصال، ولكن صورتها في الإعلام والإعلان لم تتغير جوهرياً، فعشرات المجلات النسائية، أو الرجالية التي تخصص بعض صفحاتها لشؤون المرأة، لا تهدف إلى الارتقاء بعقلها والدفاع عن حقوقها وحمايتها من “الاستبداد الذكوري” خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالجانب الربحي للمؤسسات الإعلامية والسباق المسعور نحو التوزيع الأكثر الذي لا يتوانى إداريّوه عن اللجوء إلى أكثر الوسائل إثارة للنساء والرجال على حد سواء.

الافتتاحية!

صحيفة (The Sun) التابلويد الشعبية تنشر يومياً، بحجم نصف صفحتها الثالثة صورة فتاة عارية الصدر، ما جعل البريطانيين يتندرون بأن أطلقوا على الصورة اسم “الافتتاحية”، أي أهم ما في الصحيفة، وبذا تكون فتاة الصورة هي الفتاة النجمة والمثال، بينما هي في الحقيقة تفتقد لأبسط موهبة عدا ما هو معطى لها وليس ما حققته بنفسها: جمال الجسد.

بينما تخصصت أشهر المجلات النسائية، باعتماد مبدأ تلبية الذوق الاستهلاكي للمرأة أو مخاطبته ودغدغته، من خلال المقالات أو الإعلانات التي تروّج لآخر أنباء الموضة وإعلاناتها المنزلية على اعتبار أن المرأة هي “مدبرة المنزل” و”الطباخة” ولا تكتمل شخصيتها بلا “الغسالة” و”المكنسة الكهربائية” و “المكواة”…إلخ.

طبعاً، تشكلت هيئات متخصصة وسنّت قوانين جديدة للسيطرة على استخدام المرأة بشكل مسيء لكرامتها، لكن خبراء الإعلام والمسؤولين عن الإعلان في وسائل الإعلام يجدون دائماً أساليب شيطانية للالتفاف عليها، واختراقها.