مع تسريحة شعرها.. هل تبوح المرأة بأسرارها للماكيير؟

406

 منشد الأسدي/

مازالت عالقة في الأذهان ذكريات من فترة ماقبل التغيير في العراق, حينما كان رجال الأمن عندما يريدون أن يعرفوا شيئاً أو معلومة عن شخصية ما فإن أول من يسألوه هو (الحلاق)، هذا فيما يتعلق بالرجال. فالمعروف والمعتاد عليه أن الزبون ما أن يجلس (تحت موس الحلاق) حتى تبدأ الثرثرة والحديث بشتى الأمور, ومرد ذلك لعدة أسباب أولها كسر روتين فترة الجلوس الطويلة التي قد تستمر لأكثر من ساعة, وثانياً للثقة المتبادلة بين المزيّن والزبون.

واليوم باتت صالونات الحلاقة ومراكز التجميل (النسوية) أكثر منها للرجال حتى لايكاد يخلو منها شارع أو منطقة، وأصبحت تتنافس فيما بينها لتقديم الأفضل, لكنها في ذات الوقت لم تعد مجرد أماكن لتصفيف الشعر أو عمل التاتو أو غيرها، وإنما أضحت أيضاً متنفساً للمرأة تقضي بها بعض الوقت وتلتقي بصديقات أو زميلات، فتدور شتى أنواع الأحاديث التي قد يغلب على بعضها طابع (الخصوصية المفرطة), الأمر الذي يتسبب ربما بالكثير من المشاكل فيما بعد عندما تخرج هذه الأسرار الى مايتعدى الاثنين والثلاثة فأكثر, فالمرأة بين يدي مصفف شعرها قد تبوح بأسرارها ومشاكلها وهمومها وتبقى تسرد حكايات يجد مصفف الشعر نفسه أحياناً مجبراً على الاستماع إليها, لكن كيف يتعامل الذين يعملون بهذه المهنة مع هكذا حالات؟

مخاطرة

وقفتنا الأولى كانت مع مصففة الشعر والماكييرة (سندس الزيدي) التي قالت أنها لطالما تذمرت من العديد من النساء اللواتي يكشفن خصوصياتهن وأسرارهن عند جلوسهن بين يدي، فأجد أن الأمر غير مناسب تماماً لا في الوقت ولا في المكان، وكثيراً مابادرت بنفسي لتوضيح هذا الأمر وخطورته لزبوناتي, فالمرأة اليوم هي عند هذا الحلاق, وغداً عند غيره، وطرح أمور شخصية هي مخاطرة وعبث لامبرر له, أنا أحرص على التركيز بعملي فقط.

أما خبرة مزين الشعر المعروف (جهاد أريدو) الطويلة التي ورثها عن والده جعلته – كما يقول – يعرف كيف يتصرف بهكذا مواقف, جهاد يقول: إن عملنا يعتمد على (الأمانة والثقة)، نحن لانستطيع أن نمنع الزبونة من الحديث، لكن قدر الإمكان أحاول أن يجري مجرى الحديث عن التسريحة ونوعيتها وجماليتها بعيداً عن الخوض في أمور جانبية، والمعروف عني أنني قليل الكلام جداً أثناء عملي وكل اهتمامي يتمحور في العمل حول تقديم النصائح للزبونة وكيف تعتني بشعرها, لا وقت لدي للقيل والقال بل الأفضل استثمار الوقت بما يخص العمل والجمال بل أننا أحياناً نمنع حتى كوادرنا هنا من الخوض في الأحاديث الشخصية مع الزبونات أو حتى التقاط الصور, الأمر أمانة وثقة كما قلت وأعتقد هذا هو سر نجاحنا.
الإعلامية (هديل السعيدي) تقول إنها عندما تدخل صالون الحلاقة وتجد نفسها مضطرة للكلام تحرص على أن يكون كلامها بالأشياء العامة وليس الخاصة، فقد تكون في لحظة (ضيق صدر ونفس وهموم) تتكلم بشيء خاص لكن تكتشف بعد حين أن هذا الموضوع او تلك المشكلة تعدت حدود من تكلمت وفضفضت له, لذا تنصح هديل النساء بعدم الخوض بمواضيع شخصية ويفضل أيضاً عدم التردد على صالون حلاقة واحد.

كرسي الاعتراف

وصف جميل للكوافير (أحمد المثير) عندما وصف كرسي الحلاقة بأنه (كرسي الاعتراف)! وقال: قليل من النساء من لديها القدرة على كتم لسانها طوال فترة جلوسها بين يدي لتصفيف شعرها, الحقيقة يتكلمن بكل شيء, أحياناً أستغرب جداً من أمور وأحاديث أنا لست طرفاً فيها لكني مضطر لسماعها، والحقيقة أن كلام الكثيرات في هكذا مكان هو ليس عن ( ثقة) بل بسبب الكبت النفسي الذي تعاني منه بعضهن فيعتقدن أن البوح والكلام تخفيف عن النفس.

البوح بالأسرار

أما مصففة الشعر (رائدة فاضل) فتصف علاقاتها مع الكثير من زبوناتها بأنها علاقات أضحت ذات طابع اجتماعي وترتبط معهن بأواصر صداقة، لذا فهي مصدر ثقة الكثير عندهن وهذا يجعلها تستمع – كما تقول – الى قصص وحكايات كثيرة لاتعد ولاتحصى وبالتأكيد هي ملزمة أن تكون أمينة على ما تسمع,(وتضحك) رائدة وهي تقول: بمجرد خروج الزبونة من الصالون أنسى ماقالت تماماً لأنني في اليوم الواحد أصفف شعر أكثر من زبونة فأي شيء من هذه أو تلك ممكن أن يظل في البال، لكن عموماً البوح بالأسرار من المحظورات غير المجدية والخطرة جداً.

أحياناً نأخذ دور المرشد النفسي! هذا هو وصف الماكيير (فراق عباس) عندما سألناه هل يقتصر دور المزيّن والماكيير على الاستماع أم أنه يجد أحياناً أنه يعطي نصيحة لموضوع شخصي؟, يقول: نعم الحقيقة أجد نفسي آخذ دور المرشد النفسي في بعض القضايا التي تحملها الزبونة في جعبة أفكارها, وهي بالتأكيد لثقتها بي فإنها تتكلم، أنا أعطيها الرأي لكن في ذات الوقت أنصحها بعدم اثارة مواضيعها الشخصية أو مشاكلها العائلية في أي مكان. وعن أطرف موقف مر به قال: هناك واحدة من زبوناتي تكلمت مراراً عن حبيبها وأخذت تنعته بأبشع الصفات وأنه بدأ يخذلها وينكث وعوده, فإذا بي بعد فترة اكتشف أن كل ماقالته عن (الرجل) هو محظ كذب وافتراء وذلك عن طريق إحدى صديقاتها التي هي زبونة عندي أيضاً!

حفظ الأسرار

يشمئز الماكيير (أركان محمد) من بعض النساء عند دخولهن للصالون, يقول إنهن يشعرن بالإرستقراطية المفرطة او من طبقات فوق مستوى الآخرين, فمجرد جلوسها بين يدي أجدها تبوح بأشياء لاتخصني لامن قريب ولامن بعيد, وبحكم عملي أجدني أجاملها, لكنني فقط أشير لأمر مهم وهو أن حفظ (السر) هنا هو مطلوب عند الحلاق وهو مجبر على ذلك لأن انعكاس إشاعة السر عند الحلاق أكثر ضرراً وأذى من مردوده على الزبونة, نحن نستمع الى حكايات غريبة جداً تحدث في البيوت بالفعل حكايات ومشاكل تثير الفضول, والحلاق الجيد المهني هو الذي يلقي كل ماسمعه طوال يومه مع تركه لآخر (مقص) حلاقة في أدراج الصالون قبل مغادرته إياه.