مواهب صغارنا بين العقاب و الثواب

552

جواد غلوم/

شاهدت قبل أيام مقطعَ فيديو في إحدى القاعات الرياضية المغلقة في العاصمة اليابانية طوكيو عن فتى فشلَ في عبور المانع الرياضي لأربع مرات متتالية، وكان زملاؤه يحيطون بالقاعة يصفقون ويشجعون زميلهم على تكرار المحاولة حتى ينجح، لكن الفتى ظل عاجزاً ولم يستطع إنجاز مهمته .

لم يجد زملاؤه بُدّاً سوى ان يتركوا مقاعدهم ويتحلّـقوا حوله لتشجيعه مرة إثر أخرى واستنهاض همّته وتحفيزه على عبور المانع مهما كانت الصعاب ؛ وفعلاً حزم الفتى أمره مصمماً على إنجاح مسعاه وحقق أمنيته وأمنية محبيه الفتيان وعبرَ الحاجز برشاقة رياضية ناجحة فانهال التصفيق والحماس عليه .

أوقن تماماً انه لولا هذه الحالة من التشجيع والتحفيز والإصرار على إنجاح مسعاه الرياضي لما تمكن هذا الصبي من عبور المانع وحده.

القوة الدافعة

كم يحبط الانسان إن لم يلقَ تشجيعاً ؛ تلك هي القوة الدافعة التي بدرت من زملائه التي اسميها “طاقة المشاعر النبيلة المحرّكة”، وكأنها شحنة عاطفية أجّجته ليحقق مايريد، ووقود نظيف يضخ بماكنة يحتّم عليها ان تشتغل وتواصل دورانها، إذ أن مثل هذه الأساليب التحفيزية تعتبر من الضرورات التعليمية للارتقاء بالنشء الذي نريده ان يثابر وينجح . ومن هنا نرى ان العالم المتحضر لايرعى المواهب فحسب وانما يشمل برعايته حتى ظِلال المواهب الخفية ليعمل على إظهارها حتى تكبر وتنمو وتزيد من طاقة الموهبة .
في بلادنا يجري العكس تماماً حين نرى المواهب البارزة اللامعة لدى فتياننا وشبابنا لكنها سرعان ما ينطفئ بريقها بسبب الإهمال، وليت الإهمال وحده بل ان البعض من المعلمين والذين يسمون تربويين يسعون الى قتل الموهبة في نفوس أجيالنا وطمس معالم الذكاء بحجج وذرائع شتى منها الحرام والعيب، خصوصاً فيما يتعلق منها بالفنّ، وبمبررات واهية غير مقنعة منها الانشغال عن المنهج الدراسي المقرر بينما في العالم المتحضر يولون الموهبة الأهمية القصوى ويصل الامر الى العناية بأنصاف الموهوبين حتى تتبلور وتكتمل يوماً بعد يوم في المستقبل القريب .

الأطفال الأكثر ذكاء

نتألم كثيرا ويحزّ في نفوسنا ونحن نرى مستويات الذكاء تتراجع عند أطفالنا وفتياننا كلما تقادم بهم العمر، اذ أثبتت دراسات علم نفس الطفل ان الوليد الشرق أوسطي يكون اكثر ذكاءً من أقرانه الأوروبيين وفي العالم الجديد حتى سنته الثامنة، ولكن مستوى ذكائه يبدأ بالتراجع سنة إثر أخرى حتى يتدنى تدريجياً ويتخلف عن بقية أطفال العالم .

وليس أكثر إيلاما وأذى نفسياً ماتعرّض له حفيدي في مدرسته، اذ قصّ لي حادثة معه، وهو الموهوب في الرسم، بأنه خطط لوحة فنية بالطبشور أثناء الاستراحة على سبورة الفصل أثارت إعجاب زملائه الطلبة وانبهروا بها ، وفجأة دخل المعلم ولاحظ تلك اللوحة صابّاً جام غضبه على الطالب ؛ وحكى لي عن أساليب العقاب المتنوعة والعنيفة التي جرت له وهو يقاد من شَعره بقوة ليقف أمام المدير مذنباً لمجرد انه أفرغ شيئاً من موهبته في لوحة الصف وجاء برسمة جميلة ليراها زملاؤه اثناء فترة الاستراحة، وبسبب رسومه وما جلبته عليه من عقوبة قاسية أقسم حفيدي أمام المدير والمعلم على ان لايكرر فعلته “الشنيعة جداً” مرة اخرى وان ينشغل بدراسته المنهجية فقط.

هكذا يستخفون بهوايات ومواهب الصغار من خلال تحطيم أحلامهم المقبلة وحتماً فان هذه المواهب النامية والبراعم الصغيرة ستذوي قبل ان تتفتح ان لم تُسْـقَ برواء العناية وتُشذّب من أدغال الجهالة بعناية تامة .

[email protected]