هل أصبحت اطالة أعمار البشر حقيقة ؟

605

اعداد “الشبكة”/

في خمسينات القرن التاسع عشر، لم يكن متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة عند الولادة يتجاوز 40 عاماً، ولكن المواطن الأمريكي العادي الآن من المتوقع أن يعيش 78 عاماً في الأقل.

وقد قدم لنا بحث طبي نُشر مؤخراً وعوداً براقة بالتوصل لعقار جديد يمكنه إطالة أعمار البشر أكثر مما هي عليه الآن. فما هي آثار ذلك العقار الجديد الذي عرضه هذا البحث، وما هي تبعاته على المجتمع؟

دواء جديد يعيد الشباب

تقول جين فولكينغام، الأستاذة والمديرة بمركز التغير السكاني التابع لجامعة ساوثهامبتون: “لا ننكر أن انخفاض معدل الوفيات، على المدى القصير جداً، سيسهم في النمو السكاني. ولكن معدل المواليد، على المدى الطويل، هو الذي يزيد من معدلات النمو السكاني وليس معدل الوفيات”.

وأشارت تجارب عملية أجريت على فئران مؤخراً أن الحيوانات المصابة بمرض السكري، التي تناولت عقار “ميتفورمين”، الذي طرح للمرة الأولى في عام 1957، تعيش لسنوات أطول من الحيوانات غير المصابة بمرض السكري ولم تنتاول العقار. ولذا، توصل الباحثون الى أن عقار “ميتفورمين” قد يحمي من أعراض الشيخوخة والأمراض المرتبطة بها، وليس النوع الثاني من مرض السكري فحسب.

ولكن ثمة علاجات صيدلانية محتملة قد لا تحمينا من علامات الشيخوخة فحسب، بل قد تمحو آثارها من الجسم أيضاً.

قدرة الجسم البشري

برغم التقدم الهائل في العلوم الصحية، لا تزال قدرة الجسم البشري على التحمل والاستمرار محدودة.

وحظيت تجارب نقل الدم من مانحين شباب إلى مسنين، على غرار مصّاصّ الدماء، ببعض التأييد الطبي. وكان الطبيب الألماني أندرياس ليبافيوس أول العلماء الذين استهوتهم خصائص الدم وقدرته على تجديد الحيوية والنشاط في الجسم، وفي عام 1615، بحث توصيل شرايين رجل مسنّ بشرايين شاب، وكان ليبافيوس واثقاً من النجاح، وأظهرت نتائج تجارب أجريت في عام 2005، أن تلك الفكرة القديمة كانت واعدة. فأن الفئران المسنّة التي نقل إليها دم فئران فتيّة غدت أكثر نشاطاً وحيوية، في حين أن الفئران الفتيّة التي نقل إليها دم الفئران المسنّة، أصبحت أسوأ حالاً. لكن علينا ألا نغفل المخاطر المصاحبة لنقل الدم، مثل إصابة الرئة وانتقال العدوى وقد طُورت أساليب علاجية جديدة لا تثير هذا القدر من الجدل واثبتت فعاليتها مرات عديدة في التجارب المعملية واثبتت إحدى هذه التجارب أن الفئران التي أزيلت منها الخلايا “الهرمة”، أي التي توقفت عن الإنقسام لإنتاج خلايا جديدة، من خلال حقنها بمركب”Foxo4-DRI”
تعيش لسنوات أطول. وهذا المركب يعيق العملية الطبيعية التي تؤدي إلى توقف الخلايا عن الإنقسام.

الضغوط النفسية

ويقول طبيب مختص أن الضغوط النفسية قد تؤدي إلى شيخوخة مخ الإنسان، وبرغم أن الفئران التي تلقت هذا المركب تبلغ من العمر الآن 30 شهراً، ما يعادل مئة سنة لدى البشر، فأنها تتمتع بنشاط وقوة، وهذا يثبت أن أثر هذا المركب ليس مؤقتاً.

ويقول بيتر دي كيزر، بقسم علم الوراثة الجزيئية بالمركز الطبي التابع لجامعة إيراسموس الهولندية: “إذا استهدفت الخلايا التي تسمى بالهرمة التالفة، وهي خلايا غير مرغوب فيها لأنها أصبحت تالفة وغير قابلة للمعالجة، فسوف تطيل السنوات التي تتمتع فيها بصحة جيدة، وفوق ذلك من الممكن أيضاً أن تستعيد صحتك إلى حد ما.

ويضيف: “من خلال التخلص من هذه الخلايا، لن نؤخر ظهور علامات الشيخوخة فحسب، بل يمكن أيضاً معالجة بعض الأعراض في الأقل المصاحبة لتقدم العمر وفي الوقت نفسه، تعتزم شركة “كاليكو” للأبحاث والتنمية، التابعة لمجموعة شركات “ألفابيت”، التي تضم شركة “غوغل”، تسخير التكنولوجيا الحديثة من أجل فهم العوامل البيولوجية التي تتحكم في طول عمر الإنسان، واستخدام هذه المعلومات لتطوير عقاقير أو تدخلات جراحية تساعد الناس على العيش لسنوات أطول والتمتع بصحة أفضل.

فما هي الآثار التي ستترتب على نجاح هذه التقنيات في إطالة عمر الإنسان؟

لعل إحدى القضايا التي تكتنف إطالة أعمار البشر هي زيادة تداعيات التضخم السكاني، الذي يمثل أحد التحديات التي يواجهها العالم في القرن الحادي والعشرين.

ففي عام 2015، كان متوسط عدد المواليد في إنجلترا وويلز، نحو 1.8 طفل لكل أم. ومع انتشار التعليم وتطور الخدمات الصحية في المجتمع، تراجعت الضرورة البيولوجية لإنجاب الكثير من الأطفال من أجل تعويض المتوفين منهم، كما زاد متوسط عمر السيدات اللائي ينجبن أطفالاً وزاد معه عدد السيدات اللائي لا يرغبن في الإنجاب.

معضلة أخلاقية

وتقول سارة هاربر، أستاذة علم الشيخوخة بجامعة أوكسفورد، ومديرة المعهد الملكي ببريطانيا العظمى: “وصلت الكثير من الدول أو كادت تصل إلى مستويات الإحلال، أي لا تحقق معدل نمو سكاني

وقد تواجهنا معضلة أخلاقية أخرى، فإذا لم يتوفر هذا العلاج، الذي يعيد عقارب الزمن إلى الوراء، للجميع على حد سواء، فقد ينقسم المجتمع إلى طبقتين، بحسب القدرة على توفير ثمن العلاج، وهذا قد يعمّق هوة التفاوتات الاجتماعية الموجودة في العالم بالفعل.

تقول فولكينغام: “إن حظوظ الطفل الذي يولد في أزقة العاصمة الكينية، نيروبي، في الحياة تختلف كثيراً عن حظوظ نظيره المولود في حي كينسنغتون بلندن.

وفي الوقت نفسه، إذا وُزع الدواء الذي يطيل العمر على الناس بالتساوي، سنواجه تبعات زيادة نسبة المسنين في المجتمعات.

وربما تكون العوامل الوراثية هي التي تهيّء الإنسان للموت عند سن معينة. ويقول دي كيزر: “زعمت ورقة بحثية نشرت في عام 2016 أن الإنسان قد لا يعمّر أكثر من 120 عاماً.

ويعاني الكثير من المسنين من أمراض مثل السرطان، وأمراض القلب والخرف وغيرها. ولهذا فأن أغلب الأبحاث الطبية في الوقت الحالي لا تهتم بإطالة عمر الإنسان بقدر ما تهتم بسبل الحفاظ على صحة جيدة لأطول فترة ممكنة، وتأخير ظهور علامات الوهن والأمراض مع تقدم العمر.

عن موقع بي بي سي