وسائط التواصل الاجتماعي حاجة إنسانية لتحقيق الذات

185

فكرة الطائي /

فرحتُ بزيارة أقارب لي في نهاية العام الفائت، لكن هذه الفرحة لم تدم، فهم ما إن دخلوا غرفة الاستقبال حتى أخذ كل فرد منهم، صغاراً وكباراً، ركنه الخاص وانشغل بجهاز الهاتف المحمول، فبعد أن أخذوا الرقم السري من ولدي الأصغر..
اندمجوا في عالمهم الافتراضي فيما أنا منشغلة في متابعة الضيوف عسى أن يطلبوا شيئاً أو يستفسروا عن شيء أو حدث ما، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث، بل بقوا على حالهم وبقيت في قلقي ومراقبتي للجميع.
قلت في نفسي هل أنا على خطأ في تصوراتي عن هذه التكنولوجيا الحديثة، أم أن مخاوفي لها محلٌ من الصواب؟ أردت أن أشرك ضيفتي (أزهار محمد عباس- مدرّسة لغة عربية) في بعض من مخاوفي من الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة، لكني لم أجد لديها شيئاً من تلك المخاوف، بل إنها قالت لي: “لماذا هذا التخوف، التطور التكنولوجي سمة العصر ولابد أن نواكب هذا التطور ونستثمره لصالحنا، اتركي أوهامك وتطلعي نحو المستقبل!”
حاجة إنسانية
هذه المشاهد، وما تراكم لدي من صور، عرضتها على الدكتورة (بثينة منصور الحلو- أستاذة علم النفس في كلية الآداب بجامعة بغداد) فقالت: “منذ بدء عصر النهضة العلمية وتطور العلم واختراع كل ما يؤدي إلى التقدم، نجد هناك ميزة لكل من هذه الاختراعات هي كيفية التعامل معها، فالهدف من الوسائل الاتصالية هو مساعدة الأفراد في الحصول على المعلومة وتذليل المصاعب الناتجة عن التطور العلمي، وإذا نظرنا لها على أنها وسيلة للتقارب، فإن كثيرين يجدون ضالتهم في توطيد علاقاتهم الاجتماعية بالتواصل مع الاخرين عن طريق بث المعلومة أو التعليق أو النكتة، إذ إن التواصل مع الآخرين حاجة إنسانية ومسعى لتحقيق الذات من خلال عرض ما لدى المرء من أفكار وآراء للمناقشة.”
الوجه الآخر
* وماذا عن الوجه الآخر؟
– إذا نظرنا إلى الوجه الاخر لهذه الوسائط فإنها ستكون وسائل للتفكك العائلي والتباعد بين أفراد الأسرة الواحدة، إذ تجدهم في غرفة واحدة، لكن كل فرد منهم منشغل بجهازه لا تربطه بالآخر أشياء مشتركة، بل إن هناك من يشعر بالاغتراب عن المجتمع المحيط به، لذلك يلجأ إلى عالم متكامل لا يطلب منه ما يطلبه عالمه الحقيقي، هذا ما يحدث لدى بعض الذين يشعرون بالكآبة أو بعض الاضطرابات النفسية.”
تراكم معرفي
يقول (يوسف زهير- طالب مرحلة أخيرة هندسة نفط): “إن هذه الوسائط تتيح لي الفرصة لزيارة كثير من المواقع العلمية في اختصاص تكنولوجيا النفط، ما يزيد من مجالات المعرفة المتراكمة، إذ أنني أقضي ساعات طوال في سياحة فكرية بين هذه المواقع وأنا مستمتع بما أحصل عليه من معلومات.”
في حين ترى (فاطمة خضير عباس- طالبة دكتوراه) أنها وسائل “تزود كل من له علاقة بالعملية الأكاديمية التعليمية بما يحتاجه من مصادر للمعلومات المفيدة وتسهم في تقليل الحواجز بين مستخدمي مواقع التواصل وتوسيع دائرة العلاقات الاجتماعية بشكل يعزز أواصر التلاحم النافع بين الأفراد، كما تسهم في تشكيل رأي عام فعّال يدعم عملية نشر كل ما يؤدي إلى تقوية البنى التحتية لبناء مجتمع إنساني متطور ومتحضّر، وهي وسيلة ناجحة لنشر الإعلانات والترويج للشركات وغيرها من الدوائر الخدمية والإنتاجية التي توفر الخدمات المتميّزة للمجتمع.”
من جانبها، تقول طالبة الدكتوراه في علم الاجتماع (هبة مجيد حميد): “إن وسائل التواصل ساعدت في التقارب أثناء جائحة كورونا التي ألزمت الأفراد في شتى أنحاء العالم بالتباعد الاجتماعي لتجنب الإصابة بالوباء، إذ برز هنا عمل وسائل التواصل بكونها العوامل الأساسية للتقارب بين الأفراد ومعرفة أخبار الآخرين فضلاً عمّا تشغله من دور كبير في التعليم الإلكتروني وسير العديد من الأعمال عن طريق وسائل التواصل.”
ورغم ما ذكر أعلاه من مميزات لوسائل التواصل بكونها وسائل تقارب، إلا أنها تعد وسائل تباعد أيضاً، ذلك لأنها عملت على إصابة العديد من مستخدميها بالعزلة، وأيضاً بتفضيل العالم الافتراضي على الحياة الاجتماعية الحقيقية ووصول عدد من مستخدميها لحالة (الإدمان) على الإلكترونيات، وقد تمخض ذلك عن كثير من المشكلات الاجتماعية والأسرية، إذ تعود أغلب أسباب هذه المشكلات إلى ما انتجته وسائل التواصل من تباعد، سواء ما بين الأزواج أو الأقارب، أو فيما بين الوالدين والأولاد، وأيضاً التباعد الناتج عن ابتعاد الشباب عن القيم والعادات الاجتماعية الخاصة بمجتمعهم، والتعلق بعادات وممارسات الغرب، يتمثل ذلك في مشاهدتهم أفعالاً مختلفة على مواقع التواصل ومحاولة تقليدها دون الاكتراث بقيم وعادات مجتمعهم، مثال على ذلك انتشار ظاهرة الشباب (اليوتيوبرز) وعملهم على عرض كافة تفاصيل حياتهم وحياة أسرهم على الفيسبوك أو وسائل أخرى.
أخيراً، فإن جعل وسائل التواصل وسيلة للتقارب لا للتباعد أمر يتطلب العمل على المعالجة في الجانبين الأسري والاجتماعي: فالجانب الأسري يتطلب مراقبة الأولاد ومعرفة طبيعة المواقع والتطبيقات التي يستخدمونها، وتحديد ساعات معينة لاستخدامهم الإلكترونيات، أما الجانب الاجتماعي فإنه يتمثل بالتوعية بالطرق الإيجابية لاستخدامها والابتعاد عن الاستخدامات الخاطئة التي تؤثر تأثيراً سلبياً في المجتمع.