وصمة كورونا .. في البعدين الاجتماعي والنفسي

84

#خليك_بالبيت

د. سعد العطراني/

تمثل الوصمة الاجتماعية في سياق المجال الصحي ارتباطاً سلبياً بين شخصين أو مجموعة من الأشخاص الذين يشتركون في خصائص معينة ومرض معين في حالات تفشي الأمراض أو الأوبئة. وبسبب الارتباط المتصور مع المرض، فقد يصنف الأشخاص أو يُمارسُ التمييز ضدهم أو معالجتهم بشكل منفصل يقود إلى عزلهم.
وهذه الطريقة في التعامل يمكن أن تؤثر سلباً في المصابين بالمرض، فضلاً عن العاملين في مجال تقديم الرعاية الصحية والأسرة والأصدقاء والمجتمعات بشكل عام. وقد لا تقف هذه الوصمة عند حدود الأشخاص المصابين بل تتعداهم إلى الأشخاص غير المصابين بالمرض ولكنهم يشتركون في خصائص أخرى مع المصابين.
وقد أثار تفشي فايروس كورونا المستجد COVID-19 الحالي وصمة عار اجتماعية وتمييزية وسلوكيات ضد الأشخاص المصابين وكذلك أي شخص يُعتقد أنه على اتصال بالفايروس.
وقد تناهت إلى سمعنا قصص عدة في هذا السياق، ولاسيما بين العاملين في الإسعاف الطبي، إذ تعاملوا مع حالات شتى لدى إحضارهم الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم، حتى أن أحد الأشخاص طلب أن تأتي الإسعاف ليلاً لكي لا يعلم الجيران أنه مصاب بالمرض، في حين أشرت دوائر الصحة امتناع عدد من العوائل عن إرسال بعض أفرادها إلى المستشفيات لتلقي العلاج “خوفاً من الفضيحة”، على حد تعبيرهم.
لماذا يتسبب هذا المرض في إحداث هذا الكم الهائل من وصمة العار؟
في هذا الصدد يمكن إيراد بعض العوامل الرئيسة المرتبطة بذلك، منها أنه مرض جديد وما يزال الكثير من حقيقته مجهولاً، ويرتبط ذلك بالخوف من المجهول غالباً، وسهولة ربط هذا الخوف بالآخرين. ومن الواضح أن هناك إرباكاً وقلقاً وخوفاً لدى الجمهور يغذي الصور النمطية الضارة.
إن الوصم يمكن أن تكون له تأثيرات سلبية كثيرة، وقد يقوض التماسك الاجتماعي ويحث على عزل محتمل للمجتمعات أو العوائل التي لديها مصابون، ما قد يسهم في اتساع مساحة الإصابات بالفايروس فضلاً عن خلق مشكلات صحية أكثر حدة وصعوبة في السيطرة على تفشي المرض.
ونتيجة لذلك، فإن هذا الاضطراب المصاحب يدفع الناس إلى إخفاء المرض لتجنب التمييز، والامتناع عن طلب الرعاية الصحية على الفور، وكذلك ثنيهم عن تبني السلوكيات الصحية. ومن هنا، فإن الأدلة العلمية التي تقدمها المؤسسات المختصة، مثل منظمة الصحة العالمية، تؤكد أن وصمة العار والخوف من الأمراض المعدية تعوق الاستجابة للشفاء، ولذلك فإن الحاجة ماسّة لبناء الثقة مع الخدمات والنصائح الصحية، وإظهار التعاطف مع المتضررين، وفهم المرض نفسه، واتخاذ تدابير فعالة وعملية حتى يتمكن الناس من المساعدة في الحفاظ على أنفسهم وأحبائهم.
ويذكر في هذا الصدد أن المؤسسات المعنية الصحية منها والإعلامية تقع على عاتقها مسؤولية كبرى، لأن كيفية التواصل بشأن فايروس كورونا المستجد أمر بالغ الأهمية في دعم الأشخاص على اتخاذ إجراءات فعالة للمساعدة في مكافحة المرض وتجنب الهلع والخوف والوصم.
كما ينبغي خلق بيئة يمكن عن طريقها مناقشة المرض وتأثيره ومعالجته بشكل مفتوح وصريح وفعال، ولذلك ينصح في الرسائل الإعلامية عند الحديث عن هذا المرض تجنب استخدام كلمات مثل (حالة مشبوهة، العزل) لأنها ترتبط بمعانٍ سلبية مؤلمة نفسياً لدى عامة الناس من شأنها أن تعزز الصورة السلبية عن المرض وتشيع أجواء الخوف وتقوي الارتباطات الزائفة بين المرض والصور النمطية السلبية.
وكذلك لا ينصح، بنحوٍ خاص في الرسائل الإعلامية، باستعمال تعابير (حالات أو ضحايا فايروس كورونا)، بل يُفضل القول إنهم أشخاص يتعالجون من مرض فايروس كورونا أو الأشخاص الذين يتعافون من المرض. وينبغي أيضاً تجنب استخدام كلمة (الحالات المشبوهة) واستعمال عبارة (الأشخاص الذين يحتمل أن لديهم) بدلاً عن تلك. ولا يفوتنا التحذير من نقل المعلومات غير المؤكدة من مصادر غير موثوقة، فضلاً عن ضرورة الحديث بإيجابية والتأكيد على فعالية تدابير الوقاية والعلاج لإيصال رسالة مفادها أن الناس يمكنهم التغلب على المرض وأن هناك خطوات يسيرة يمكننا جميعاً أن نتخذها للحفاظ على أنفسنا ومحيطنا.
وفيما يخص المؤسسات الرسمية والمتحدثين باسمها، فإنه يجب عليهم التقيد بنشر الحقائق، إذ إن أجواء نقص المعرفة بشأن كيفية انتقال المرض ومعالجته وكيفية منع العدوى يمكن أن تسهم في زيادة وصمة العار، وهنا تكون الصنعة الأسلوبية حاضرة في توظيف لغة واضحة ومبسطة تبتعد عن المسميات السريرية قدر الإمكان عند إيصال الرسائل عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
في هذا السياق يبرز أثر الأشخاص المؤثرين اجتماعياً أو دينياً، إذ يمكنهم أن يؤدوا دوراً مهماً في إيصال المعلومات الصحيحة وفي كيفية الوقاية من المرض، سواء عن طريق إرشاداتهم وتوجيهاتهم أم سلوكهم في المواقف العامة.
ومن المعالجات النفسية المهمة التركيز على نشر قصص وصور الأشخاص الذين اكتسبوا الشفاء من المرض لتعزيز الثقة بأن كثيراً من الناس يتعافون، كما ندعو لإطلاق حملة (أبطال) لتكريم العالمين في مجال تقديم الخدمات الصحية والحيلولة دون وصمهم سلبياً.
كذلك تقع علينا جميعاً مسؤولية مهمة تتلخص في مشاركة الحقائق والمعلومات الدقيقة بشأن المرض وتجنب نشر الشائعات والمعلومات الزائفة وتحدي الأساطير والصور النمطية وكذلك اختيار الكلمات بعناية لأنها يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نتواصل بها مع الآخرين.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.