آخر الرهانات

78

#خليك_بالبيت

حسن العاني /

لعل مفردة (الرهان) واحدة من أكثر المفردات شيوعاً في لغتنا اليومية، خاصة بعد انصراف استعمالها من (المراهنة)، ذات الدلالة المحدودة التي تقترب إلى حد بعيد من معنى الربح والخسارة، أي (القمار)، إلى دلالات جديدة يراد بها (الاعتماد) وهذا أوضح مايكون في الخطاب السياسي، ولذلك طالما سمعنا ان الحكومة تراهن(أي تعتمد أو تعول) مثلا على انتعاش أسواق النفط أو على ضبط المنافذ الحدودية او السيطرة على الفساد المالي لضمان رواتب الموظفين والمتقاعدين، فان لم يتحقق شيء من ذلك فعلى الموظفين والمتقاعدين التحلي بأعلى درجات الأريحية، والجلوس عند أبواب الأئمة والأولياء والصالحين بانتظار ماتجود به أيدي الأخيار والأثرياء والمسؤولين عليهم!!
اعرفهم تماماً.. يؤلفون ثلاثياً نادراً، تفترق الناس وتلتقي وتتباعد وتأخذها الحياة في دروبها، إلا هؤلاء الاصدقاء الثلاثة من مواليد رحمانية الكرخ البغدادية وسكنتها القدامى.. ما باعدت بينهم الدنيا ولا افسدت وداً في يوم من الأيام، وهم الآن في أعمار جاوزت العقد السادس، غير ان ماهو أندر أو بالأحرى اغرب في أمرهم، أنهم مهووسون بالرهانات هوساً مرضياً، لايفارقهم ولاسبيل إلى الشفاء منه!
اللافت للنظر ان (مرض الرهان) لازمهم منذ طفولتهم وتواصل معهم في مراحل دراستهم المبكرة، وظل ينمو ويكبر ويستفحل حتى تمكن منهم، الشيء الطبيعي ان الرهانات أو المراهنات في صغرهم كانت بحجم أعمارهم… محدودة.. متواضعة، سواء عبر العملة المعدنية ولعبة (طرة- كتبة) أو (الوجه والكتابة) كما يسميها البعض، أم عبر سباقات الركض او السباحة أو رمي الأحجار إلى ابعد مسافة، وكان مبلغ الرهان بضعة (فلاسين) أو قدح دوندرمه او طاسة لبلبي…الخ وفي مراحل لاحقة من العمر مارسوا أنواع الرهانات المتعارف عليها كالنرد والدومينو والورق والمحيبس، وبلغ بهم الهوس إلى ابتداع العجائب على غرار، أين يحط هذا الطائر، على هذا السلك أو ذاك، وعلى (ستارة) هذا المنزل أو تلك… وعلى غرار كم قدماً طول جسر الأحرار، أو كم عدد الحبات في هذه الرمانة أو عدد النوى في تلك البرتقالة… والشيء الظريف في رهاناتهم التي يستمتعون بها هو غياب الزعل أو الغضب أو الجدل، والخاسر منهم يدعو صاحبيه على مشروبات غازية أو لفة فلافل أو صحن باقلاء، ويراد بالخاسر من الثلاثة هو الذي تكون تخميناته أو تقديراته هي الأبعد عن الصواب!!
في السنوات الأخيرة أخذت رهاناتهم صورة جديدة ذات تكهنات مستقبلية، من ذلك على سبيل المثال، الرهان على الطقس بعد عشرين يوماً، او من يفوز بكأس العالم لكرة القدم، أو من يتولى رئاسة البرلمان…الخ ، اخر جلسة رهان جمعتهم كانت معقدة وصاخبة، وتضمنت أكثر من رهان… كان المضمون الأساس حول الانتخابات المبكرة، ماهو وقت اجرائها.. هل ستقوم أم لا.. وبعد ان راهن كل واحد منهم على قناعته، انتقلوا الى الرهان الثاني وهو: من سيكون قادراً على تشكيل الحكومة… ثم انتقلوا الى الرهان الثالث وهو : من سيتحالف مع من قبل الانتخابات وبعدها… ولم يكتفوا بذلك حيث ذهبوا الى رهان رابع وهو قائم على افتراض ان التحالف الفائز يضم (الليبراليين والعلمانيين واليساريين والتقدميين والمثقفين والمستقلين)، اما الرهان فعلى النحو التالي: ماهي المدة التي يستغرقها الخلاف فيما بينهم على المناصب والكراسي مثلما اختلف الإسلاميون قبلهم ؟! قال الأول: سيظهر الخلاف بعد 6 أشهر و 4 أيام، وقال الثاني: سيظهر الخلاف بعد 4 أشهر و6 أيام، وقال الثالث : إذا سمحت لهم الأحزاب الدينية بالفوز فسأقطع يدي.. ثم انتقلوا إلى آخر الرهانات، وهو لايصلح للنشر مع الأسف …