آهِ يا العراق

92

حسن العاني  /

بيني وبين الثمانين ألف وأربعمئة وستون (يوماً)، وأحاول إبعاد هذه الفاصلة الزمنية، ولو كان بمقدوري لجعلتها بضع مئات من السنين، فيما تسرعُ الثمانون الخطى نحوي، وتسعى ما وسعها السعي كي تختزل الزمن إلى ألف وأربعمئة وستين (دقيقة)، ولو كانت مقادير العمر تحت إمرتها لجعلته بضع مئات من (الثواني)!!
أكون غبياً لو اشتهيت تمديد خدمتي الحياتية يوماً أو بعض يوم، فما كان الذي مضى مدعاة أفراح ومسرّات، ولن يكون مأسوفاً عليه لو رحل كما يرحل الضيف الثقيل، ولكنني أمنّي النفس بشيء من الأمل بعد أن خذلتني الأماني، وأجهضت أحلام طفولتي ومراهقتي وشبابي، وأذلّت أحلام 99 بالمئة من العراقيين الذين فتحوا عيونهم قبل أكثر من ستة عقود على بريق المسميات الرنانة، وفي مقدمتها (الجمهورية)!!
هل يحق لعجوز أن تكون له حفنة أمانٍ قبل أن يكتب عنه الأحبّة مراثيهم؟! وأي ضيرٍ لو كانت له بضعة أحلام، ليس من بينها والله طلب شخصي ولا مطلب، ولم يمسسها طموح أو مطمح. وقبل ذلك فهي لا تخدش سياسة أو سياسياً، ولا تعارض زعيماً أو سلطاناً، ولا تقرب من كتلة أو تيار أو ائتلاف، وقبل هذا كذلك فإنها تدعو للحكومة والبرلمان وأولياء الأمر وأصحاب القرار -المعروفين وغير المعروفين- بالصحة والعافية وراحة البال وطول العمر، طالما تصالحوا مع الحق، وجعلوا خدمة الناس أمام عيونهم، لا وراء ظهورهم و..
* أرحنا أيها العجوز من ولولتك، وقل ما تريد قوله!!
– معذرة سيدي.. إنما يتمنى العجوز قبل أن يحين يومه، لو جاء اليوم الذي يرى بدل الحكومة المركزية وحكومة الإقليم والحكومات المحلية، “حكومةً” واحدة توفر للأمة راحة البال وللسلطة سلطانها ومركزيتها وهيبتها، فقد تعبنا وأتعبنا هذا التشرذم والتشتت مثل حبّات مسبحة انقطع خيطها، كما أتعبتنا لعبة الصلاحيات المتداخلة حتى باتت أقرب ما تكون إلى “شليلة ضاع راسها”، فإذا كل محافظة بلدٌ قائم بنفسه، يخاصم المحافظات المجاورة له -وهي من تاريخه وجغرافيته وفصيلة دمه ولون بشرته- على قطعة أرض أو بستان أو بئر نفط، خصومة الأعداء والغرباء، وحق اللات والعزّى ما عاد ينقص كل محافظة منها إلا “العلم والنشيد المحلي والتمثيل الدبلوماسي في بلدان المعمورة”!! حتى تصبح جمهورية تبحث لها عن اعتراف ومقعد في الأمم المتحدة!!
ويتمنى العجوز ويتمنى قبل الرحيل ومفارقة الخلاّن، لو كان له في وطنه هلال واحد ورمضان واحد وعيد واحد، وأن يكون له شعب واحد لا شعوب تتخفى تحت الأكثرية والأقلية والطائفية والإثنية و.. و.. ويحلم العجوز بوطن عظيم يليق بشعب عظيم تكون فيه لمواطنيه جنسية عراقية واحدة لا جنسيات تجعل منهم عراقيين عند المصلحة، وأجانب عند اقتضاء الضرورة.
ويحلم العجوز بعراق الرصافي وجواد سليم وزها حديد وطه باقر والسياب وعبد الجبار عبد الله وثوار العشرين، ولا تقع من بين أحلامه ولا أمانيه حكايات الفساد واجتثاث حيتان الفساد، ولا أحاديث تزكم الأنوف عن نسب الفقر وتحت الخط والبطالة والشهادات الموءودة وأزمات السكن والكهرباء و”بلاوي” المحاصصة والتزوير، وروايات هذا لي وهذا لك، وأسكت عني أسكت عنك و.. و.. فمنذ ولادة أول جمهورية في البلاد، والعجوز مثل رفاقه يحلم ويتمنى ويكتب ويكتب ولم يتراجع يوماً أو يتوقف عن طرح هذه الأمنيات، حتى بُحَّ صوته وجفّ حبره واشتعل رأسه حزنا..
آه يا العراق.. يا أبهى الأوطان وأحلى ملاذات الروح..