أحمد مثنى.. تحية

88

نرمين المفتي /

تمنيت أن أرى (أحمد مثنى) لحظة إبلاغه بأنه نجح في امتحانات البكالوريا السادس الاحيائي بمعدل ٩٦٪ .. قطعا كان في عمله الذي يعيل من خلاله نفسه وأسرته وهو عمل مرهق يبدأ من السادسة مساء الى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، مع فرق أمانة بغداد لتنظيف المدينة، هل قفز فرحا؟ هل طفرت من عينيه دمعات فرح؟ وتمنيت أن أرى وجوه الشباب الذين يعملون معه وهم يتفاجؤون بزميلهم النحيل الذي كان طالبا ولم يبلغهم ربما كي لا يضطرهم الى مساعدته وهم بحاجة أيضا الى يومياتهم وربما كي لا يفسح مجالا للتعامل معه بشفقة.. استطاع أن يضع لنفسه جدولا يوميا، العودة من العمل والاستحمام وقليلا من الراحة ومن ثم الدراسة والنوم لساعتين او ثلاث مع صباح اليوم التالي. لم يكن لديه مدرسون خصوصيون، اعتمد على نفسه والملازم التي يدخر أسعارها من يومياته في العمل وقال في الحوارات التي أجريت معه بأن مدرسيه في مدرسته (إعدادية النور) لم يقصّروا معه في الشرح والإيضاح والتدريس. وتمنيت أن أرى دمعة فرح والدته وأن أسمع هلهولتها، فهي قطعا كانت تشعر بمدى تعبه وتحاول أن تقلل من إحساسه هذا وكانت تدعو له بالنجاح ليل نهار..
أحمد يشبه الشاب حسين، مع الاسف نسيت اسم والده، الذي التقيت به في المتنبي، في جمعة ما من ٢٠١٥، كان يستمع الى إحدى المحاضرات في القشلة ويحمل كتبا ويرتدي زي عامل النظافة.. كان قد فقد والده عامل البناء واضطر أن يعيل عائلته ولم يجد غير هذا العمل، ترك الدراسة لسنوات وعاد الى الدراسة وحين التقيته كان متفوقا وهو في الصف الثالث المتوسط وكان الوحيد في تلك المحاضرة الذي ناقش المحاضر بذكاء، لم يكن خجلا من زيه وعمله.. مع فرق واحد عن أحمد الذي أبلغه مسؤول وجبته في العمل بأنه لو كان يعلم بأنه طالب لكان ساعده بينما مسؤول وجبة حسين حين عرف بأنه يذهب الى المتنبي في أيام الجمعة، آثر أن يداوم يوم الجمعة!
وأحمد وحسين لا بد أن يجعلاني أشير الى الشاب محمد الذي يعمل عامل نظافة أيضا ويدرس وينجح وهو أحب وتزوج وأصبحت لديه ابنة وفضلا عن إعالته لأسرته الصغيرة؛ يساعد أهله أيضا ومسؤول وجبته يعرف ظروفه ويساعده.. وحين أصبح محمد مسؤولا للوجبة، بدأ يساعد ابراهيم، الصبي الذي يعمل في عمل لا يجوز للأحداث حسب قانون العمل! وهو طالب في المتوسطة ويحاول أن يكون متفوقا.. وهم جميعا مثل ذلك الشاب الذي نسيت اسمه وكان قادما من الناصرية ويبيع الماء البارد في منطقة العلاوي في بغداد مع والده في ٢٠١٧ ونجح بمعدل ٩٥، سادس علمي.. وكان يتمنى دراسة الطب، وأحمد أيضا يتمنى دراسة الطب ويأمل أن تتم مساعدته للدراسة في إحدى الجامعات العراقية بسبب معدله الذي يقل بدرجتين او ثلاث عن معدلات القبول في كليات الطب..
هؤلاء الشباب المناضلون لأجل تحسين أوضاعهم المعيشية ولتحقيق أحلامهم، ليسوا لوحدهم، هناك الآلاف مثلهم يعملون ويعيلون عوائلهم ويدرسون ويبتعدون عن طلب المساعدة ولا يفكرون في السرقة او التسول وبمثل أعمارهم كانوا في ساحات تشرين، لم تسمح لهم ظروفهم بإكمال دراستهم وبينهم أصلا من لم يذهب الى أي مدرسة، وكان دائما بين طلباتهم القضاء على الفساد كي لا يضطر غيرهم الى ترك الدراسة أيضا..
تحية كبيرة لهم.. وفي مقدور الجميع أن يساعدهم، أقصد عمال النظافة من بينهم، لعدم رمي الاوساخ في الشوارع، لا سيما بعض سواق السيارات، وأن نحافظ على نظافة الاحياء السكنية والأسواق وأن نضع النفايات بعد جمعها في الاكياس وفي الحاويات.. هم أنبل وأكثر إيمانا من الذين أينما يذهبون ويسكنون يتركون نفاياتهم..