أصوات الناخبين

295

حسن العاني  /

مرّ الشهر الفضيل كنسمة ربيع ناعمة، ولا أدري سر النكهة الجميلة التي تؤججها لياليه الحلوة في الروح، هل هي نوازع دينية أم نفسية أم أنّ العاملين معاً وراء ذلك النشاط الذهني المتعافي للشهر الكريم، وكأنّ نفس “المسلم” تتفتح على عوالم لم يألفها في غير هذه الفسحة الزمنية من كل عام، فثمة ما لا يحصى من الفعاليات التي يمنحها رمضان قدرة الانفتاق والتعبير، سواء أكانت مما تحتفظ به الذاكرة العراقية من موروثها الرمضاني الغني، أم مما يستجد بحكم ما تفرضه عوامل التطور وتبتكره المرحلة والمخيلة الإنسانية..
رمضان.. هو بيوت الله العامرة بالدعاء، وبالتقاليد القديمة حيث تُقدّم صحون الطعام “الخفيفة” الى المصلّين بعد انتهاء صلاة المغرب لكي يفطروا على “لقمة” قبل العودة الى بيوتهم، وقد لا تزيد اللقمة على قطعة “دولمة” واحدة، أو قدح لبن مع بضع تمرات.. ورمضان صحون طبيخ أو فاكهة أو حلوى يتبادلها الجيران قبل الإفطار، وتكون فيها للفقراء حصة الأسد، وهو زيارات ليلية بين “عوائل” الطرف والأصدقاء والأقارب وغالباً ما تأخذ الزيارة وقتاً يصح أن نسميه “سهرة”، ومن السهرات ما يمتد الى السحور، ورمضان لعبة المحيبس و”الصينية الموصلية” وحكاية الماجينا والمعجنات المنزلية والمقاهي وألعابها، وهو آلاف الأسر التي تحمل قدورها قاصدة الأضرحة لكي تؤدي الصلاة ثم تفطر في أجواء روحية ممتعة، تزداد متعتها عبر تلك العوائل القادمة من شتى المذاهب والقوميات والمحافظات والمدن العراقية، فإذا هي محاولات للتعارف سرعان ما تتحول الى صداقات وطيدة، ولعل “أغرب” ما في هذا الكريم هو ازدهار المطابخ بكميات وأنواع من الأطعمة، يشعر المرء إزاءها بأن رمضان “أكل وشرب” وليس عبادة وتقوى. أما “أجمل” ما فيه فيتمثل بمجالسه الزاخرة بالطرائف والظرائف والثقافة والمحاضرات والحزورات والحوارات على حسب طبيعة المجلس، وها نحن، بعض رجالات المحلة، نُحيي تقليداً قديماً هجرناه بسبب الظروف الأمنية القلقة، وعدنا اليه في هذا العام بعد الذي تحقق للعراق بفضل الله من أمن وطمأنينة، وها هو “أبو أميرة”، ملح الجلسة وبهارها ونكهتها، يتصدر مجلسنا ويسأل “من الذي يحدد الطبقة السياسية في العراق؟ وبمعنى أكثر وضوحاً: كيف يصل من يصل الى البرلمان والحكومة والمواقع السيادية؟!”، أمر لا خلاف عليه أن إجاباتنا تنوعتْ وتعددت، ولكنها لم تختلف في مضمونها، حيث أجمعنا على أن “أصوات الناخبين” هي التي تحدد هوية الحكومة والبرلمان والمواقع السيادية، وهذا هو الأمر الطبيعي، غير أن ملح الجلسة وبهارها ونكهتها هزّ رأسه بالنفي مبتسماً وقال “مع الأسف.. ليس هذا هو الجواب الصحيح.. ولو سألتم أنفسكم: منذ عام 2003 والعراقيون يدلون بأصواتهم، ولكنهم دائماً غير راضين عن الذين ينتخبونهم..
فهل من المعقول أن ننتخب أناساً لا نرضى عنهم؟!” كانت ملاحظته صائبة مئة بالمئة، وأثارت دهشتنا حقاً.. وجعلتنا نكتشف مدى سذاجتنا، ولذلك ألححنا عليه لمعرفة الإجابة، ونحن نشعر بالحياء بعد فشلنا في التوصل الى إجابة صحيحة على سؤال غاية في السهولة!! قال، وقد وصلتْ شفتاه المبتسمتان بسخرية من أميّتنا الى أذنيه: “الحقيقة يا جماعة الخير، لا أحد يصعد بأصوات الناخبين، لأن الصعود يتم بثلاثة أشياء هي المال السياسي ودول الجوار والتزوير”، كانت دهشتنا أكبر من عظيمة، لأننا لم نتوصل الى الإجابة المضبوطة مع أنها واضحة وبسيطة ومكشوفة!!