أعطِنا من هذا المخدّر!

280

عامر بدر حسون /

في آخر لقاء لي مع الجواهري، حاولت أن أستفيد من خبرته الصحفية الطويلة، فسألته عما يوصي به الصحفي الشاب والصحفيين عموماً؟ فقال:
– الأمانة، وحسن الالتقاط!
ومثل كل النصائح، فإن قولها سهل جداً، لكنك عندما تأتي إلى التطبيق، سرعان ماتوسوس لك نفسك:
– لابد من وجود طريقة أخرى!
تستوي في هذا تطبيق نصائح الإقلاع عن التدخين أو الريجيم أو تطبيق نصيحة الجواهري!
والقارئ اليوم عموماً، لا يوفر أية إمكانية للصحفي لتطبيق مثل هذه النصيحة.
فهو ينتظر منه أن «ينتقم له» ولو بكذبة!
***
ويوم كانت عندنا سينما، كنا في طفولتنا وشبابنا نصفق للبطل عندما يضرب أحداً أو عندما يقبّل البطلة أو حين يثأر للضعفاء والمظلومين. وهي أشياء يكون المشاهد عاجزاً عنها، فيجد التعويض فيما يقوم به البطل.
***
ومشكلة الصحفي انه مرهون للعشيرة:
حزباً أو منظمة أو جماعة أو طائفة أو قومية. والجمهور ينتظر منه أن يقف في صفه، صف الأخيار، والانتقام له من الآخر (الذي هو في صف الأشرار كما تعرفون!) وأن ينطق بطريقة شاعر القبيلة دريد بن الصمّة:
“وما أنا إلا من غزيّة إن غزت
غزيت وإن ترشد غزيّة أرشد”!
***
لذلك ترى الأقلام عندنا تغير اتجاهها باتجاه غزوات الرايات والتحالفات، وتوجه حبرها بالاتجاه الذي يحدده السياسي أو القارئ ابن العشيرة، وهو الشائع عندنا!
في بلاد برّة، وفي زمن الجواهري الى حد ما، يقوم الصحفي والكاتب، بوظيفة الطبيب:
يفحص المريض ويخبره بمرضه دون مجاملة أو خوف. وبتلك الطريقة كان المريض، فرداً أو شعباً يتدارك نفسه بالعلاج ويواصل التقدم.
أما عندنا، فحتى لو قام الكاتب بمهمة الطبيب (وهذه وظيفة المثقف في مجتمعه) وفحص المريض واكتشف أنه سائر لحفرته من كثرة الأمراض، فإنه لا يجرؤ على مصارحته بمرضه.. وشاع عندنا قتل الطبيب والصحفي (فعلياً او معنوياً) إن قال الحقيقة.
***
وقبل سنوات قرأت مقالة لصحفي أردني يخاطب فيها محمد سعيد الصحاف (هل تذكرونه؟) بالقول:
– إننا أحوج ما نكون إلى كذبك اليوم، فهو أجمل من واقعنا المرّ الحالي.. لقد كنّا عندما نراك على شاشة التلفزيون نشعر أننا نحلق في سماوات النصر!
وينهي الكاتب مقاله بلوعة:
– نعم! عد إلينا واكذب علينا فنحن لا نريد إلا أن نسمعك تكذب!
ناسياً أن الكذب، لا الأمانة في نقل الواقع، هو الذي أوصله لتلك الصورة المزرية.
ومن ناحيتي.. فلا أعرف إن كنت نجحت في تطبيق نصيحة الجواهري، فهذا رهان مفتوح حتى آخر حرف يكتبه الكاتب.
وحسبي من قارئ هذه السطور أن يحذر من الصحفي الذي يفتقر للأمانة، فهو مثل موزع المخدرات، بل قد يكون هو أخطر أنواع المخدرات!