أقاليم..!

299

حسن العاني/

ماذا بقي لرجل مثلي تخطّى السبعين، وقد اشتعل الرأس حزناً والقلب يأساً، إلا أن يتسلى بماضيه، يقلب نواعم أيامه وترفها، وإلا أن يلجأ الى أصدقائه القدامى، أو بالأحرى من بقي منهم على قيد الحياة ولم يمتْ قهراً، أو لم يهاجر الى بلاد الغربة، كنا نلتقي بانتظام، وعادة ما تكون لقاءاتنا عابقة بنكهة القهوة وأغاني السيدة وعبد الوهاب والقبانجي ونرجس شوقي ووحيدة خليل ويوسف عمر وداخل حسن، فيما تأخذ أحاديثنا المتبادلة مساحة مفتوحة الآفاق، ومع أن أوضاعنا الصحية وأسماء الأطباء والأمراض والعلاجات أصبحت ملازمة لجلساتنا، لكن استذكار الشباب والنسوان والمغامرات العاطفية، التي نزعم فيها مزاعم ما أنزل الله بها من سلطان، تتقدم على غيرها، وتتصدر الأحاديث لأن للمرأة حضوراً مذهلاً، وطراوة غريبة في قلوب الشيوخ!

باختصار شديد، كان الماضي هو الحاضر الحي بشتى صوره، ربما لأنه القاسم المشترك لمجموعتنا، أعني لتلك المجموعة من العجائز التي لا تؤمن بالمساواة بين الجنسين، ولا تعترف بأغاني الشباب، ولا تطيق البرمودا والرموش الاصطناعية.. وأياً كان أمر هذه المجموعة التي لا ترى زمناً إنسانياً وأخلاقياً وجميلاً إلا زمنها هي، زمن البساطة والنقاوة والحلاوة كما تراه في عينها.. وإذن، وفي إطار هذا التعلق بالقديم، فقد دار حوار طريف بيننا في آخر لقاء، كان محوره الرئيس صديقنا الغائب الحاضر (حاتم الصكر)، الذي بدأ حياته شاعراً عذباً ثم توّج مسيرته الأدبية ناقداً ومفكراً ورمزاً كبيراً من رموز الثقافة، واستذكرنا حكاية رواها لنا، جرت وقائعها في سبعينات القرن الماضي، كانت من الطرافة بحيث جعلتنا نبلل ملابسنا مرغمين من الضحك!!

أصل الحكاية أن خريج كلية الشريعة حاتم الصكر، حصل على إيفاد الى الجزائر بصفة مدرس لمادة اللغة العربية، وكما تقضي (الأصول) عندما كانت هناك أصول في البلد، زار الرجل (جدته) في مقدمة مَنْ زار مِنْ أقاربه وأصدقائه لتوديعهم.. وهي امرأة بسيطة طاعنة في السن، ومن (أهل الله) كما يقال، وقد سألته على طريقتها، وبلهجتها الجنوبية القروية (يمه وين تريد تروحن)، فأجابها “حبوبة للجزائر”، وما كادت تسمع اسم الجزائر حتى لطمت على رأسها جزعاً وخوفاً وقالت له “يا يمه وليدي.. يا بَعَدْ حبوبتك.. هي يزيرة وحدة ما تنيرع.. النوبه يزاير!!”، وترجمتها لغير العراقيين”يا يمه وليدي.. يا بعد حبوبتك.. هي جزيرة وحدة ما تنجرع.. النوبة جزائر!!”، ولغير العراقيين كذلك نقول “حبّوبة تعني جَدة/ وما تنجرع تعني لا تحتمل!”

واضح أن العجوز الطيبة لديها مفهوم خاص عن (الجزيرة)، هو مفهوم جيلها ومرحلتها، على أنها منطقة نائية معزولة ومخيفة، وظنّت أن الجزائر، أي المفردة، هي جمع جزيرة، وبذلك فإن مصيبة حفيدها ستكون عظيمة، وطلبت منه الاختباء عندها وعدم الذهاب إلى ذلك المكان المحفوف بالرعب والخطر.. وضحك الصكر يومها طويلاً وهو يقص علينا حكاية حبّوبته، مثلما ضحكنا كذلك طويلاً.. وما كدنا ننتهي من هذه الحادثة الطريفة، حتى عدنا من جديد الى حوارات وأحاديث متباينة لا يجمعها جامع، وقد وقفنا فيما وقفنا عند إسطوانة تقرير المصير، وقضية الفدرالية التي كثُر الكلام حولها، وشاعت المطالبة بها في العديد من المحافظات، وكانت مسألة الأقاليم على رأس النقاش المحتدم، وقد تفلسفنا أكثر مما يتفلسف بعض السياسيين، حتى أصبح الواحد منا محللاً سياسياً بالفطرة، وتباينت وجهات نظرنا بين مؤيد للأقاليم كونها حقاً كفله الدستور، وبين رافض لها، لأن (بلاوي) العراق تكمن في الدستور الذي أقرّها، لكونها بالنتيجة مقدمة للانفصال وتجزئة البلاد، وفي خضم خلافاتنا تدخّل صديقنا (أبو أنمار)، وهو بهار الجلسة وصاحب التعليقات الحاضرة قائلاً “يا جماعة الخير.. صلوا عالنبي.. إحنه إقليم واحد مشيّبْ روسنا.. النوبه أقاليم” وضحكنا كما لم نضحك منذ الاحتلال الأميركي!!