أقلام النسوان!

317

حسن العاني/

يبدو أن قضية المرأة، والمطالبة بحقوقها، وموضوعة المساواة، لا يراد لها أن تنتهي بالرغم من مرور عشرات السنين على احتلال قضيتها مركز الصدارة في قلوب الرجال. وبرغم أن العرب في لغتهم أفردوا لها (نون النسوة وتاء التأنيث) ولم يفردوا للرجل حرفاً واحداً، وبرغم أن العصر الحديث شهد تشكيل جميعات مهمتها الدفاع عن الرجال ضد العنف النسوي، وبرغم أنها حصلت على كل شيء، بل وحصلت على ما هو خارج حصتها ونصيبها وتكوينها، ولكنها لم تكتفِ، فإذا بها تشاطر الرجل في ساحته الخاصة جداً، حتى بتنا نرى بصورة علنية ورسمية، ملاعب نسوية لكرة القدم والمصارعة والملاكمة وكمال الأجسام، وهي مواقع تتعارض مع رقّتها وشاعريتها. ولا أحد يعرف لماذا تتواصل مطالباتها بالمساواة، وهي الموظفة والطبيبة والقاضية والمسرحية والرسامة والمهندسة والأستاذة والمطربة والضابطة والشرطية وسائقة التاكسي والراقصة والعاملة و.. و.. زيادة على كونها إرهابية وحرامية من الطراز الأول، من دون أن نغفل أنها الشاعرة والروائية والسياسية والوزيرة والبرلمانية، فماذا بقي من حقوق المساواة؟

في إطار هذا الاهتمام الرجالي الغريب بالنسوان وحقوقهن، انبثقت الدعوة الظريفة لزعيم “الشبكة”، الزميل المبدع جمعة الحلفي.. بتخصيص العدد (291) من المجلة للنساء فقط، وتحت شعار “العالم بعين امرأة –أعمدة الشبكة بأقلام نسوية!!”، وقد قال في افتتاحيته: “نحتفي هنا على صفحات الشبكة بنصف دزينة من كاتباتنا المبدعات، نفرد لهن كل أعمدة المجلة لكي نرى العالم من حولنا بعين إمرأة”!! ومن هنا تم اجتثاث الرجال وأعمدتهم، اجتثاثاً لا رحمة فيه ولا رجعة! ابتداءً من عمود حسن العاني، وانتهاء بآخر عمود رجالي، وحلت محلها أعمدة النسوان، ابتداءً من الزميلة آمنة عبد العزيز، وانتهاء بالزميلة نرمين المفتي، وما بين مصدقينَ ومكذبين، وجدنا أنفسنا مطرودين، ولم يشفع لنا شيء، لا شواربنا ولا رجولتنا ولا كوننا قوّامين على النساء!!

الإجراء الذي خطط له الحلفي (بذكاء) يتناغم مع اسطوانة (مظلومية المرأة)، وهي مظلومية حقيقية، ولكنها تعود الى أكثر من مئة سنة، ويكفي أن نستذكر ما حدث في عام (1904) يوم صدر فرمان سلطاني يقضي باصدار (بطاقات) أو (هويات) للنسوان تحمل صورهن، فقد تظاهر المئات من أهل بغداد ضد الوالي (عبد الوهاب باشا) قبل أن يشرع بتنفيذ أمر السلطان. وأطرف ما في تلك التظاهرات التي امتدت الى العديد من مدن العراق، وفي مقدمتها الموصل، لأن التقاط صورة بحد ذاته يعدّ مساساً بكرامة الرجل وشرفه، فكيف اذا تم وضع الصورة على الهوية واطلع عليها رجالات الحكومة؟! أقول.. أن الأمر الطريف يتمثل في خروج عدد من النسوان بمسيرة غاضبة، توجهت الى سراي الوالي، ولم يغادرن السراي إلا بعد تأجيل القرار، ولا ننسى بالطبع ما تعرض له الشاعران “الزهاوي والرصافي” من تهديد، وما أصابهما من أضرار وظيفية نفسية جراء مناصرتهما لحرية المرأة والدعوة الى “السفور”، وبقدر ما نضحك اليوم من الرواية التي سأمرّ عليها سريعاً، بقدر ما نعطي زميلنا الحلفي، الحقّ في رعايته الكريمة للمرأة، وهو يحاول مواساتها حتى بعد مئة سنة على الضيم التاريخي الذي لحق بها. والرواية تفيد بأن بغداد شهدت لغطاً كبيراً، وسجالاً محتدماً، يوم بدأت المرأة في مطلع عام 1921 تقريباً، تتحرر من عباءة الصوف، مكتفية بارتداء عباءة واحدة، تعرف باسم عباءة المبرد، ووصل هذا السجال العنيف الى حد امتناع (عوائل) عراقية كثيرة عن تزويج أولادها من بنات يرتدين عباءة واحدة!!

على أية حال، يدي اليمنى في يد الحلفي، ويدي اليسرى وراء ظهره على خطواته الجريئة و(الذكية)، وأصرّ على وصفها بالذكية، لأنه استطاع بما يمتلكه رؤساء التحرير من مهارات لاندركها، أن يُبعد أقلام الرجال جميعها، ويحافظ على أقلام النساء وحدها… والأمر الغريب حقاً هو أن قلمه الرجالي هو القلم الوحيد الذي حافظ على مقعده بين أقلام النسوان…. ألف عافية!!