ألفاظ العقود

80

#خليك_بالبيت

د. حسن عبد راضي /

منذ أن اجترأ السياب ونازك على عمود الشعر في أواسط القرن الماضي، ولم تنفك الدراسات الأدبية والكتابات الصحفية تُفرط في استخدام ألفاظ العقود في صيغة مستحدثة وإشكالية تجمع بين لفظ ملحق بجمع المذكر السالم وهو لفظ العقد (عشرون، ثلاثون وهلم جراً حتى التسعين) وبين جمع المؤنث السالم بإضافة الألف والتاء في آخر الكلمة؛ فيُقال (تسعينـ + ات) كل ذلك للدلالة على عقود السنوات قاصدين بها وصفاً زمنياً لمرحلة ما، أو لجيل أدبي ما، فتسمع أو تقرأ لمن يحدّثك عن جيل الستينات (وهنا يحدث أول إشكال في هذا الاستخدام المُحدث، فهل الصواب أن نقول الستينات أم الستينيات؟).
والغريب أنَّنا قد نسمع ممن يتقنون اللغة العربية إتقاناً بيّنا قولهم على سبيل المثال: (شهدت الستينات حركة أدبية دؤوباً..) فليت شعري لماذا لم يقولوا: (شهدت الستونات..) بلحاظ أن اللفظ في الأصل ملحق بجمع المذكر السالم وهو هنا فاعل والأحرى أن يكون مرفوعاً بالواو، إذ لا مبرر لنصبه أو جره بالياء، ويمكن أن ينطبق هذا على قولنا: (كان الشعراء السبعونيون يثيرون أسئلة كبرى في نصوصهم ..)، والحال أن لا أحد استخدم اللفظ بهذه الصيغة رغم أنَّها أصحُّ من وصفهم بـ(السبعينيون) إذ بنينا لفظ العقد على حال النصب أو الجر من دون مسوغ، ثم أعربنا اللفظ الهجين الجديد إعراب جمع المذكر السالم، وذلك لَعمري عبث لا بد أن تلتفت إليه مجامع اللغة العربية، وأن تتنبه إلى الخطر الثقافي الآتي من جهل أجيال من الشباب المعاصرين لغتهم الأم، على خلاف الحال في أية أمة أخرى، فلا تجد إنكليزياً ولا ألمانياً ولا فرنسياً يخطئ في لغته وإن كان من عامة الناس، لأنَّ تلك الأمم تحسم قضية اللغة في وقت مبكّر من الدراسة الابتدائية وينتهي الأمر.
أعود إلى الإشكال الأول الذي يثيره هذا اللفظ الهجين، فهل يصح أن نقول مثلاً (الخمسينات أم نقول الخمسينيات؟) والجواب ببساطة هو أن اللفظ الأول لا يمكن التفكير في مفرد له من لفظه، فلا يوجد شيء اسمه (خمسينة) لنجمعها فتصير خمسينات، أما اللفظ الثاني فيمكننا اجتراح مفرد له من لفظه هو (خمسينية) وهو في الأصل وصف للسنة ذاتها، ويمكن عندئذٍ جمع الخمسينية على خمسينيات.
بقي أن أقول إن ثمة شيئاً آخر مختلفاً يسمَّى (ألفاظ العقود والمعاهدات) وهو باب من أبواب الدراسات التداولية التي تهتم بتأثير الكلمات في العالم، وكيف نصنع الأشياء بالكلمات على رأي أوستن في دراساته المشهورة، ومثال ذلك عقد الزواج، فإنَّه بترديد كلمات معينة نصنع شيئاً جديداً، ونجعل ما كان محرّماً وغير قانوني، حلالاً وقانونياً ومقبولاً اجتماعياً.