أمنيات متأخرة!

391

حسن العاني/

أمر البشرية غريب، فمع كل سنة تمضي، يفقد ابن آدم عاماً كاملاً من عمره، ويتقدم في السن ويقترب من الآخرة، ومع ذلك قضى العرف أن نستقبل السنة الجديدة بالرقص والأغاني والفرح والكيك، وكأننا نضحك على أنفسنا، أو نتحدى جبروت الزمن.. ومن مقتضيات العرف كذلك أن تتحرك وسائل الإعلام على المواطنين عامة، والمبدعين ورموز البلد خاصة، بسؤال تقليدي حفظناه عن ظهر قلب (ماهي أمنياتك للسنة الجديدة)، وغالباً ما تأتي الأجوبة تقليدية كذلك، لا تخرج عن إطار الدعاء للوطن بالنصر والازدهار، وللشعب بالسعادة والسلام، من دون أن نغفل بعض الأمنيات الخاصة على غرار الحصول على وظيفة، أو عدم الاستقطاع من راتبه التقاعدي، أو الزواج من فتاة حلوة وصغيرة ومثقفة وثرية، أو زمالة دراسية الى فرنسا تستغرق سبعة عقود!!

ومعلوم أن الأمنيات تتباين على وفق التباين الطبيعي بين هويات الناس، فالمثقف في سبيل المثال ينشد الحرية ولا شيء غيرها، وعين السياسي على المنصب، والغني يبحث عن مزيد من المشاريع والثراء، أما الفقير فيصعب عليه استذكار جميع أمنياته، ولذلك يكتفي بحسد الأثرياء والسياسيين حسداً مشروعاً في بعض الأحيان بقول (اللهم بحلول العام الجديد أريد العيش مثلهم طول العمر، ولا تجعلهم يعيشون يوماً و احداً مثلي)، وفي أحيان أخرى، حين يكون السيل قد بلغ الزبا فيقول (يا إلهي.. أعيش يوماً واحداً مثلهم، ويعيشون مثلي طول العمر)!!
في الأيام التي سبقت حلول العام الحالي (2017)، لم يسألني أحد بالمرّة عن أمنياتي للسنة الجديدة، ولذلك سألت نفسي (ما هي أمنياتك أيها العجوز للعام الجديد؟!)، واكتشفتُ وأنا أ قلّب الأمور على وجوهها، أنني رجل من غير أمنيات خاصة، وكل ما أريده وأنشده، لا يبتعد عن مطالب الناس، ويقع ضمن خانة الأمنيات العامة، وأنا لا أدّعي هذا من باب المزايدة التي تلقى رواجاً عظيماً في السوق السياسية، وليس لأن مناسيب وطنيتي ارتفعت فجأة، بل لكوني عبر عقود العمر الطويلة، استوفيت أحلامي جميعها، فقد تزوجت من المرأة التي بادلتني المشاعر الصادقة، وعشت معها أسعد سنوات عمري، قبل أن يتوفاها الله، وأنجبت، وأنا سعيد بأبناني الذين اطمأننت على زواجهم وإنجابهم ومستقبلهم، ونجحت الى حد مقبول في عملي الصحفي، وأتقاضى راتباً تقاعدياً شهرياً قدره (500) ألف دينار، اعتقدت الدولة أنه راتب ضخم ويزيد على حاجتي، ولذلك قلصته الى (450) ألف دينار ولم أنزعج بالطبع، فأنا مواطن صالح ومتعاون مع الحكومة، ولو رأت الحكومة أن مصلحة البلد تقتضي إلغاء راتبي بالكامل، فسوف لن أنزعج كذلك، علماً بأن راتبي التقاعدي ليس (منّةً) من الدولة أو الحكومة أو وزارة المالية، إنما هو تحصيل حاصل للتوقيفات التقاعدية التي كانت تستقطع من راتبي طوال سنوات الخدمة!! وفوق كل ما ذكرت من أحلام خاصة حققتُها، أمتلك رصيداً في المصرف بحدود (78) ألف دينار، أدخره للحالات الطارئة كالمرض أو عطل المجمدة أو الوفاة أو التفكير بالزواج من جديد!! فماذا أريد أكثر من هذا، خاصة وأنا كما يعرف أصدقائي وزملائي لست طماعاً، ولا أفكر بقطعة أرض على دجلة أو راتب وزير، أو مشروع استثماري في الإمارات، أو….. (لا تصلح للنشر)!! مع العلم أن أياً من هذه الأفكار لم يتحقق، لكي أمتحن أطماعي!!

إذن لم يسألني أحد عن أمنياتي للسنة الجديدة، بل أنا الذي سألت نفسي عشرين مرة، وفي كل مرة يأتي الجواب نفسه: أتمنى أن يتوقف المسؤولون من أصحاب التصريحات الرنّانة عن الكلام أو الإدلاء بأي تصريح في هذه السنة، لكي نرتاح عاماً كاملاً من صخب الأكاذيب!