أنا متَّهم!

127

بيان الصفدي /

لكن كان يأتيني أحياناً مبلغ داعم، فمرة تقاضيت عن كتبي العشرة للأطفال التي صدرت عن دار الآداب في بيروت مئتي دينار، وعن كل كتاب يصدر لي عن دار ثقافة الأطفال مئة وخمسين ديناراً، وعن مسرحيتي (المدرسة العجيبة) للتلفزيون مئة دينار! وعن كلمات أغاني مسلسل(حكاية الصياد عاشور) لشركة بابل 350 ديناراً.
هذه ثروتي المالية في العراق، والمؤلم أن المبلغ البسيط الذي اضطررت لإيداعه أمانة لدى (مناضل سوري كبير!) يوم أمرت بمغادرة العراق خلال يومين أنكره عندما طولب به فيما بعد.
كان المبلغ الأمانة 1750 ديناراً، ولم يكن يحق لي تحويل أو اصطحاب أي مبلغ إلى خارج العراق لأنني لست متعاقداً ولا موظفاً، فقد ظللت أعمل بالمكافأة الشهرية طوال فترة عملي على خلاف بقية العرب في العراق.
لهذا كان أمراً صاعقاً أن أتلقَّى ذات يوم كتاباً رسمياً من البنك المركزي العراقي نصه تقريباً على ما أذكر:
“إلى المتهم بيان الصفدي
نطلب حضوركم إلى إدارة البنك المركزي العراقي خلال أيام للبت في مخالفتكم للقوانين المالية العراقية”
تخيلوا كتاباً كهذا لطالب يمشي الحيط الحيط ويقول: يا رب السترة، في بلد قد يضيع فيه المرء بشربة ماء لسبب أتفه!
رحت أقلِّب أخماسي بأسداسي بيني وبين نفسي، فلا صلة مالية لي بأحد خارج العراق، ولا داخله، وكل عالمي المالي هو ما ذكرته، وحتى دار الآداب اللبنانية فقد قبضت مئتي الدينار يداً بيد من الدكتور سهيل إدريس في بغداد.
ثم تجرأت أكثر وسألت بعض من أثق بهم قبل ذهابي، فتراوحت الإجابات بين تساؤلات لي عمَّا يمكن أن أكون أخفيه، أو أن ثمة تشابهاً في أسماء، أو أن لي مبلغاً محوَّلاً من جهة مشكوك فيهاَ!
فقلت أنا مطمئن فليس لدي ما أخفيه، والتشابه مستحيل، لأن اسمي والحمد لله لا يمكن أن يتشابه مع أحد في العراق، بقي احتمال ثالث أصابني بالرعب، ترى هل يكون قد حصل أمر ما جعل جهة ما ترسل لي مالاً وأنا لا أدري.
في الختام كان لا بد من ذهابي، وإلا سأكون متهماً مضاعفاً.
لكنني تساءلت أيضاً: لماذا لم يقبضوا عليَّ طالما أنا متهم؟ وما سرُّ هذا الرقيِّ في التعامل لولا كلمة (المتهم)؟!
ذهبت إلى البنك المركزي، وأرشدوني إلى مكتب في أحد الطوابق العليا، وجلست محاولاً أن أخفي ارتباكي، وعندما جاء دوري تصاعدت ضربات قلبي، وتخيَّلت نفسي سأخرج بعد قليل مقيداً وبمرافقة شرطي على الأقل!
دخلت، وسلمت، وقدمت له الاستدعاء، فوقف ذلك المدير مادَّاً يده باسماً بمودة، وقال: “حياك الله أستاذ بيان، ترى أنا معجب بشغلكم بمجلتي والمزمار، ويا هلا بيك العراق بلدك طبعاً، تفضل اجلس بس أكو فد شغلة بسيطة”
لم يتأخر الرجل وبعد أن طلب لي النومي حامض الذي طلبته، قال:
“أستاذ جايتك مكافأة من سورية من مجلة أسامة بس دازينلك الفلوس بظرف رسالة شخصية، وهذا طبعاً ينكشف عدنا، فممنوع إرسال أي نقود بهذه الطريقة، ولأن المبلغ بسيط جداً جداً وهو سبعين ليرة سورية تقرر الاكتفاء بمصادرته وتنبيهك بألَّا يتكرر.”
وضَّحت لذلك المدير الطيب أنني لا أنشر الآن في سورية، وكل مافي الأمر أن زوج رئيسة التحرير دلال حاتم الشاعر علي الجندي جاء إلى المربد عام 1978 وأصر أن يأخذ مني قصيدة للأطفال على الأقل بناء على طلب زوجته! فأرسلتْ المبلغ لتفاهته في رسالة شخصية، خاصة أن العلاقات السورية العراقية كانت قد انفرجت عام 1979 يوم جرت محاولة للوحدة الكاذبة بينهما.
لقد ضاعت مني مكافأة كانت تعادل ديناراً عراقياً!