أنيس ورفاقه ــ قصة صحفية!

47

جمعة اللامي /

“كان والدي يقول: تستطيع، بمفتاح صغير، أن تفتح صندوقاً كبيراً.”

( حمزاتوف: بلدي )

يا لشجرتنا العجوز! بعد محمود أمين العالم، رحل عبد العظيم أنيس، وقبله يوسف إدريس، وقبلهما أدميت قدميّ بين شوارع القاهرة الفاطمية، بحثاً عن سيدة تقودني إلى قبر وسيم خالد.
قال العم جابر بعدما قدم لي سيجارة اعتذرت عن عدم قبولها:
ـــ “يمكن تشوف خبره عند المعلم أنيس.”
– المعلم أنيس؟
– “أيوه، عبدالعظيم.”
هكذا، كأنه يتحدث إلى صديقه الشائب، أو رفيقه القديم في سجن الواحات، وهو يختصر أيام مصر وحوادثها في أسماء عدد من مثقفيها وأدبائها ومناضليها. تناول شايه الأسود، وقال:
ـــ “أنت تفتح جروحي، يا أستاذ.”
كنت قد ضعت، بل تهت في “درب الطبلاوي”، حين عثر عليّ العم جابر.عرفني فوراً:
ــ “أنت ضايع؟”.. ولم أخيب ظنّه.
ـــ “منذ خمسين سنة”.
ضحك، وقال: “عرفتك.”
بعد ساعة من الزمن العربي الصحيح أصبحنا صديقين، فحكيت له جانباً من مصادفة غريبة حدثت معي، لا تشبهها إلاّ مصادفة تعرفي إليه.
قال باسماً: “صدفة؟ مفيش صدفة.”
تذكرت بحثاً قيماً عن “مفهوم عربي للزمن” لمحمود أمين العالم، وذلك اللقاء النادر في منزل الدكتور طه حسين، الذي جمع بين العالم وإدريس والشرقاوي وأنيس، وبثه التلفزيون المصري في صيف سنة 1966.
– “حبايبي.” قال العم جابر.
وقال صاحبي الجديد العتيق: “فين شفت أنيس؟”
على متن طائرة في صباح يوم صحراوي، كنت مسافراً الى قبرص عبر الكويت، في أحد أيام السنة الأخيرة من النصف الأول لعقد ستينيات القرن الماضي.
– “اي، نعم.”
جلستُ إلى جانب رجل يقرأ في كتاب. رفع رأسه قليلاً وحياني. عرفته: عبدالعظيم أنيس. كنت في عمر أخيه الأصغر، وكنت أحمل حياتي في أحد جيوب سترتي، فأخرجت بعض أيامها، وأخذت أقشّرها يوماً بعد يوم.
بعد سويعة، تعارفنا بما فيه الكفاية لنتحدث حول “سجن الواحات” و”سجن نقرة السلمان” و”الطريق اللاّرأسمالي” ومؤلفاته.
قال أنيس: إذا تخرّبت جامعاتنا ومناهجنا التربوية، صرنا مثل بعرة في أسْت تيس.
– “لهم دينهم، ولأوطاننا ديننا.”
أمّتان، وثقافتان.
وكان العم جابر ينصت اليَّ باهتمام.