إذا غاب العقل استيقظت الوحوش

468

نصير الشيخ/

صار مفهوم العنف آخذاً مداه في لغة الحوار مع الآخر، وما عادت لغة الثقافة هي السائدة، ذلك أنك تقرأ تسريبات العشائرية والعودة للمذهبية في مفاصل الحياة العراقية، فانخفض منسوب الحوار

بالرغم من عدم ميولي لتسمية «ثقافة العنف» هذا المصطلح الذي أكد حضوره في أدبياتنا وريبورتاجاتنا الصحفية، لقناعتي بعدم صحة المزيج المتأتي من مفردتي «ثقافة/عنف» لأن الثقافة وبمختلف تعاريفها التي تجاوزت العشرات هي ارتقاء الوعي والذائقة الإنسانية لحدودها القصوى لصنع حياة أفضل تليق بأن تعاش.

أرى أن العنف ظاهرة موجودة في كلّ الأزمان، وهي تعيد تكرار حواضنها كلما غاب شعاع الضمير وانكسر مرقاب الوعي، ومن ثمّ يصبح غياب الوعي مساحة استيقاظ مشاعل الظلام.
لقد سبقنا في هذا الفنان الشهير العالمي “غويا” في عبارته الشهيرة والصادمة “إذا نام العقل استيقظت الوحوش” إنها تختصر رحلة الإنسان عبر مراحل تأريخية كان فيها هو الضحية على الدوام، والغلبة للأقوى المستبد منذ كهف الآدمي الأول وصولاً لفتاوى الحاضر كلّ من منبره. من هنا يكون العنف ظاهرة ارتدادية للنفس البشرية بعد أن يحصل تعطيل للفكر والوعي والإرادة الحية لينهض عقبها مارد الغرائز وشهوة القتل والتكفير. ومانعيشه الآن يبدو خيطاً سرياً لتأريخ الغاب، وما تشهده المنطقة من حولنا ليس صراع إرادات تجنح للتغيير والثورة على الظلم باختيار العنف المسلح أداة ردع لإخافة المقابل ومن ثم إجباره على الاعتراف بالحقوق المسلوبة. إن ما يحصل هو صراع تصفوي، الكلّ خاسر فيه. والبلد الذي نحن في أتونه الآن، والذي يسكننا والذي حلمنا دوماً أن نكون أطفاله الأبرياء، ماعاد آمناً، والتين شحيح والزيتون تيبس وهذا البلد الأمين على كف الريح!

إن قراءة طوبوغرافية للمشهد الجيوسياسي المتشكل كبانورما، تفصح عن تفجر واضح للنسق الماضوي متبنياً صحوة العقد الثاوية التي استجمعت قواها كلّ هذا الوقت لتتشظى في المحيط الذي حولها، وهو ما حصل بعد زوال الدكتاتورية لتتكشف شيئاً فشيئاً نوياتها العصبوية المختلة في تصوراتها، والمشدودة إلى الوراء في محاولة لإرجاع الزمن دون إيمان بالمستقبل وتحولات الحضارة. بل ولا تؤمن بالأسّ الدينيّ وتنصيصه “الإنسان بنيان الله؛ ملعون من هدّ بناء الله».

هذه العقد الثاوية وتمثيلاتها الحاضرة في إبراز نماذجها الآدمية والمسلفنة بغطاء الدين، تمتاح كل هذا الوقت من بئر البداوة المتأصلة في امتدادات الرمال، مُنهمّةً في صعوبة العيش وعسر التصور غير مستقرئة في هذه الامتدادات، التشوفات الروحية وهي ترى الله في كلّ مكان؛ الله الذي خلق فسوّى. كلّ هذا خلق تراكماً نفسياً كانت فيه الأنا مركز اشتغال لشهوة التدمير وفرناً يعتمل لأدوات العنف وطريقه السالك في تصفية الآخر وتكميماً لأفواه، ناهيك عن مصبّ آخر مضاف، ألا وهو: الديكتاتورية المقيتة التي تمتعت بها السلطات التي شرعنت حكمها كل هذه الفترة ولأكثر من نصف قرن. ديكتاتوريات نصبت نفسها حاكماً مطلقاً.

من هنا صار مفهوم العنف آخذاً مداه حتى في لغة الحوار مع الآخر، وما عادت لغة الثقافة هي السائدة، ذلك أنك تقرأ تسريبات مزايا العشائرية والعودة الرؤوم للمذهبية وانسياحها في مفاصل الحياة العراقية، لأن المعادلة باتجاه السلب التلقائي للأصول القارة والمصنمة، من هنا يستجد انخفاض منسوب الحوار المثقف المعنيّ بحرية الكلام والباحث عن وجوده المتحقق.