إلى طفل عراقي!

144

جمعة اللامي /

“دع طائرتك الورقية ـــ يا حفيدي العزيز- تطير، وتطير، وتعلو، ثم تعلو، حتى ينقطع خيطها، لأن الخيط، يا عزيزي، يُبقيك على الأرض، ويبقي طائرتك الورقية فوق الأرض قليلاً، وبعيدة عن السماوات كثيراً.”
“إن عظمة الفنان تقاس بالمحاولات التي قهرها”
(ألبير كامو)

دوّنتُ هذه الملاحظة نصّاً، حين كنت أعيد قراءة مقامات بديع الزمان الهمداني، ومقامات الحريري، التلميذ النجيب للهمداني، قبل عدة سنوات، وعدتُ أبحث عنها لأجدها تنام هادئة في يومياتي لسنة 2010.
وتكاد الفكرة الكاملة تمسك بيدك اليمنى أيها الطفل النجيب، وتقودك إلى أريستوفان، وشكسبير، وموليير، وأنت تضحك مع “أبي الفتح” أو “أبي زيد” في مقامات صاحبينا، لأن كلاً منهما أطلق خياله الخلاق.
هنا نجد كوميديا عامة الناس، وكوميديا صفوتهم أيضاً. أي نجد تلك اللمعات الحريرية والهمدانية والشكسبيرية، وقد جعلت من فن الكوميديا فن الحاضر، الذي هو مستقبل غير مؤجل.
إن مقامة “أبي زيد” في المقامات الحريرية، التي عددها تسع وأربعون، قبل توبته في “المقامة الخمسين”، هي فن الحاضر الذي هو مستقبل غير مؤجل، كما أشرت منذ قليل، لأنها تعيد تفكيك الطبقة الوسطى في بغداد: تجارها الذين بنوا تجارتهم على الغش والتدليس والتزوير والحماقة.
وهي، أيضاً، وسيلة الحريري في كشف الغشاء الرقيق للطبقة المتوسطة المتصلة بحكام الزوراء وأمرائها في حينها، حين يتخذ من “الفتى المليح” مصيدة لقاضٍ يتصنع الورع، ويحاضر على الناس، صباح مساء، في الفضيلة والعفة، بينما هو غير فاضل وغير عفيف! ويفتح القارئ الغرّ فاهُ، عجباً، أو حيرة، حين يكتشف في نهاية تلك المقامة، أي المقامة التاسعة والأربعين، أن “الفتى المليح” هو ابن أبي زيد.
أي فنّ هذا، وأي كاتب ذاك؟
أما “المقامة المضِيرية” عند بديع الزمان الهمداني، فهي فضح الطبقة الوسطى البغدادية، هذه الطبقة الانتهازية التي لا دين عندها ولا مروءة، وإنما همّها كسب المال فقط، والإقبال على ملذات الدنيا بطرق فاجرة!
يذهب بعض الكتاب العرب، ولاسيما في منطقة الخليج العربي، إلى تقليد فج وممجوج، لأردأ نتاجات الكوميديا الأجنبية، ولاسيما منها التي تقوم على المفارقات، وتحقير الإنسان الفقير، أو الهزء من ذوي الحاجات الخاصة، واللعب عليها بطريقة تثير اشمئزاز الإنسان السويّ، ويتركون مقامات الهمداني والحريري، مع أن هذه النصوص هي فن الحاضر، الذي هو مستقبل غير مؤجل.