استذكارات نيسانية!!

85

حسن العاني  /

أجلس الآن إلى الكتابة، وفي ذاكرتي ينتفض الربيع النيساني قادما من الماضي، كان ذلك النيسان غريباً على نفسه، فلا قداح ولا عطر ولا عشق يملأ الروح، لا شيء سوى أنين الرياح الحبلى برائحة البارود.. ويومها كذلك ما زلنا نمارس هواية الخوف، ونسترجع تاريخ الدم والقادسيات، فيا سيدي قائد الحملة الايمانية، إلى أي هاوية تقودنا هذه المرة؟! وهل أتاك صوت الموت الملعلع عبر جناح قاذفة ودوي سرفة وعابر للقارات؟! ولكن من يجرؤ على إيصال الاستغاثة إلى باب حجرته، وهو يغنّي لنفسه نشيد النصر بعون الله، فهل تحلم أم تكابر، وجندك الموشومون بالقهر والذل والجوع تعبوا، والله يا سيدي تعبوا من (عراك) لا أول له ولا هدف ولا خاتمة!!
إلى الذاكرة أجلس الآن، وقد غادرنا كالمهجّرين في أوطانهم، مبنى وزارة الإعلام مثقلين بأحزان (ألف باء) إلى الموقع البديل في (دار الحرية) وثمة رأي اجتمعت عليه الناس، ونحن معها، لو أنها نامت ليلتها وصحت صباحها ولم تجد القائد ولا الاحتلال، يا رب.. وجهان أحلاهما أمرّ من الحنظل.. فكيف السبيل ولا سبيل إلى الخلاص الا طريقة الرجل الاميركي، فعند أي من الموضعين يضع سادة العراق وأشرافه أقدامهم، والأرض زلقة موحلة، ورأس القائد الذي لا يساوي حبة خردل، هو رأس الوطن الذي لا أحب ولا أغلى ولا أعز منه، فأيّ محنة هي محنتنا، وأيّ معجزة سماوية كنّا ننتظر؟! ما كان آذار في ذلك العام ولا نيسان ولا الربيع مضمّخاً بالربيع، وأنا اتكئ على عمود أفقي في إحدى شرفات (دار الحرية)، اتطلع إلى الشارع، عاجزاً عن قراءة الآتي والغد، مثقلاً بأفكار غائمة، قرار “القائد الضرورة” بمنعي عن الكتابة ما زال وسيبقى ساري المفعول منذ عام 1999، ولكن الوطن هو الذي يئن، كنت اتابع الوضع العام للبلاد من وضعي الخاص، تحوّل كرهي لصدام إلى حقد أعمى، هو قليل مما يستحقه “قائد الحملة” التي سخرت من الدين، وقذيفة لا أعرف اسمها ولا عنوانها ولا نوعها ولا وزنها، تشظّت أمامي فوق جزرة الشارع الوسطية، جعلتني ارتد إلى الوراء، فمن تعسكر في رأسنا وزعم أنَّ القذائف لا تلاحق الأماكن البديلة؟ وانبرى سؤال مكبوت إلى الواجهة طالما أوجع رأسي: في أي مخبأ آمن هو الآن، وأجساد الجنود مكشوفة من دون غطاء ولا مظلة ولا سقيفة..
أحد أصدقائي الأدباء يدعوني للذهاب إلى كلية الفنون الجميلة على مبعدة خمسين متراً (الإذاعة هناك تسجل كلمات تعبوية)، قلت له: (أنا ممنوع من الكلام)، هز رأسه حزناً وكأنّه يعتذر.. لم أخبره أنّني فقدت القدرة على التمييز بين (صدام والاحتلال).. و.. وعصر التاسع من نيسان أقلني العزيز خضير الحميري بمركبته الخاصة، رأيت سقوط بغداد على واجهة دبابة أميركية تقف عند جسر الجادرية.. مئات السيارات القادمة من أين.. لا أدري، ولا أدري إلى أين تتجه وهي ترفع رايات بيضاً.. قلبي ينخلع.. قبيل الغروب التقيت صديقاً شيوعياً كان ضيفاً مزمناً على دائرة الأمن، قبّلني بحرارة وذراعه ترحب بناقلة جنود أميركية.. قلبي ينخلع.. ثم..