اسماعيل فهد اسماعيل.. الرحيل الى شيء ما

309

علي حسن الفواز /

يرحل اسماعيل فهد اسماعيل عن عالمنا تاركاً لنا أُفقاً مفتوحاً، وسماءً كان يظنّها زرقاء دائما، وكأن هذا الرحيل هو احتجاجه السردي على ما يجري في عالمنا من حروب وبشاعات أخذت الانسان الى اقصى الوجع، ولم تترك له سوى فصولٍ دامية مسكونة بالأسئلة والمرائر والجغرافيا التي باتت اقرب للفخاخ منها الى (المستنقعات الضوئية).

لقد حاول الراحل أنْ يسردِن العالم من حوله، وأنْ يمنح الرواية طاقة الكشف، وشغف الوعي، مُثيراً للأسئلة الانطولوجية الكبرى، ونابشاً في ذاكرة المكان، وربما في التاريخ، إذ كلاهما يضجّ بفنطازيا البطل الموهوم، والحالم والمطارد، لكنه أيضا الباحث عن حريته وهويته،وعن(خلّه الوفي).
روايات اسماعيل فهد اسماعيل هي سيرة وعيه، وسيرة وجوده، إذ حاول أن يخرج عن رتابة الواقع الى حركة الوجود، حيث تشتبك الأشياء من حوله، اللغة بالفكرة، الحضور بالغياب، الحرية بالقمع،الوهم بالحقيقة، وحيث تبدو لعبة السرد وكأنها مغامرة للقبض على هذه الثنائيات، بما فيها ثنائية التاريخ والسرد، حيث مغامرة السرد، في مواجهة التاريخ، بما فيه تاريخ الأمكنة التي عاش فقرها، وتحولها واحتلالها وحريتها، مثلما هو انشغاله بسردية الزمن بوصفه مجالاً لرصد حركة الناس، والجسد، ولاستعادة الغائب من الطفولة والمعنى، وهو ما ألقى بظلاله على اغلب رواياته وقصصه، تلك التي ظلت تمور بالتوتر، وبالتوريات واللمحات، والاسئلة العميقة..

أسئلة الحياة..أسئلة الموت

انشغالات اسماعيل فهد اسماعيل بأسئلة الحياة لم تكن بعيدة عن قلقه الوجودي، ولا عن رغبته الحميمة في أنْ تكون تلك الحياة أكثر تحفيزا للكشف عن ما هو مضمر، أو تقريبا لما هو بعيد، فهو كان يكتب لكي يعيش لذة ذلك الكشف، ولكي يصطاد من الحياة سنوات أخر، لايعنيه ايقاعها السريع قدر مايكون حاضرا فيها بوصفه السارد الرائي، لكن اسئلة الموت كانت تدفعه الى التأمل، والصمت، والى المراجعة احيانا، حيث يراقب مايجري أمامه مدهوشاً، مفجوعاً، باحثاً عن(سمائه النائية) تلك التي ساكنتها العواصف، والحروب، والتلوثات والغزوات، وهو ما يدفعه للبحث دائما، عن مكانه القديم، عن هويته الخبيئة، عن اخيه المعتقل، عن ذاكرته المحشوة بالرماد..

ثيمة البحث عن الأشياء هي الثيمة الرئيسة في اغلب روايات وقصص اسماعيل فهد اسماعيل، إذ تتلبسه رؤيا البطل الذي يجد في هذه الثيمة هاجس المغامر والسفّان الذي يسعى الى أنسنة الاشياء من حوله، تلك التي تدور حول اسئلة الحياة بوصفها جوهر المغامرة، وأسئلة الموت بوصفها متافيزيقيا الكائن الذي يتقمّصه بالحكمة، والرؤيا والعرفان..

الرحيل الى سماء ما

منذ أن كتب الراحل روايته الاولى(كانت السماء زرقاء) وهو ينشدّ الى لعبة البحث، والى استجلاء كينونة الوجود، يستلهم من خلاله توقاً خفياً للمواجهة، ولاصطناع ما يشبه البطولة حيث سرديات( الحبل) و (المستنقعات الضوئية) و(خطوة في الحلم) و ( النيل يجري شمالا) وروايته السباعية (احداثيات زمن العزلة) و(الابابيليون) و(الكائن والظل) وليس انتهاء بـ(السبيليات).

الرحيل في هذه السرديات هو هاجس من يبحث عن معنى ما، النظير لولعه بفكرة الرحيل الى سماء ما، في دلالتها أو في ايحاءاتها، أو بعلاقته مع فكرة الخلاص الوجودي، ذلك الذي عاش فصوله وتحولاته عبر اللغة، اللغة بوصفها الخطابي والعلاماتي، أو بوصفها (الهيدغري) حيث هي البيت والملاذ والزي والفكرة والتعويذة..

رحيل اسماعيل فهد اسماعيل لحظة فاجعة لاستعادة واحد من أهم مدوني الوجع العربي الذي مازال يقترح لنا سردياته الفارقة والقاتلة والواهمة، وربما هي دعوة لاعادة قراءته لأنه ظل يحرضنا على البحث عن شيء ما.. دائما.