الأشقاء والأصدقاء!!

619

حسن العاني  /

العراقيون عامّة، والسياسيون منهم على وجه الخصوص، على كثرة اختلافاتهم وخلافاتهم، وتباين وجهات نظرهم في مئة قضية وقضية، إلا أنَّهم متفقون على عدد كبير من الآراء والقضايا، ربّما كانت إحداها اكتشافهم المبكر بعد نيسان 2003، أنَّ التأجيج الطائفي أشهر بضاعة نقلتها الدبابة الأميركية إلى البلاد، منذ انبثاق الصيغة الأولى لتشكيل مجلس الحكم، وأن المحتل ما كان له أن يروج لبضاعته ويعثر لها على أسواق لولا وجود (أطراف) في العملية السياسية هيّأت الأسواق اللازمة وتعاطت مع هذه البضاعة الفاسدة وكسبت من ورائها الكثير!!
لم يمضِ زمن طويل على هيمنة الاحتلال، وتنفيذ أهدافه المرسومة حتى اكتشفنا جميعاً، بمن في ذلك الأميون منّا ونسوان الطرف، أنَّ تلك (الأطراف) العراقية التي أوكلت إليها سلطات الحاكم المدني مهمة احتضان التأجيج الطائفي والترويج له كانت تعتمد اعتماداً كلياً على مجموعة كبيرة من وسائل الإعلام بشتى مسمياتها، وعلينا الاعتراف مشفوعاً بالحزن والأسف أنَّ تلك الوسائل باسم حرية الإعلام والتعبير عن الرأي نجحت بامتياز في اختراع لغة جديدة، بدأت من أفواه سياسيي الطائفية و(مثقفيها)، وانتهت عند لسان الشارع، ولهذا لم يعد غريباً أن تتحدّث إحدى الفضائيات مثلا عن قيام (السُنّة) بتهجير (الشيعة) في مدينة (الكاظمية)، وهي لا تتحرّج أو تأخذها ذرة حياء من هذا الخبر المفبرك، وبالمقابل تفبرك فضائية أخرى قصة مفادها أنَّ (الشيعة) قاموا بتهجير (السُنّة) في مدينة (الأعظمية) وبلغ الفعل السوء بالفضائيات من دون استثناء، إلا من رحم ربي وتمسّك بالعروة الوثقى، إلى ابتكار أخبار واختراع قصص عن جرائم المتبادلة بين المسلمين (سُنّة وشيعة)، لا يندى لها الجبين فقط، بل يعجز عن الإتيان بمثلها العاملون في أفلام الخيال العلمي!
أنا لا أستحي كذلك، ولكن بطريقتي الخاصة، حين أقول عن تلك الرؤوس التي غذّت وسائل الإعلام الطائفي، وارتضت لنفسها تنفيذ مهمات الأجنبي بغض النظر عن اسمه ونوعه ولون بشرته، إنّهم كذابون وساقطون ومفبركو أخبار منمّقة، ولو لم يكونوا كذلك لما نسبوا أعمال القتل والذبح والتهجير إلى السُنّة والشيعة ولقالوا الحقيقة ابتغاء مرضاة الله والضمير والناس: إنَّ السُنّة والشيعة براء من ذلك، والله براء وأنبل وأرفع من هذه السلوكيات التي لن يقدم عليها إلا مأجورون ممولون محسوبون على الطائفيين ظلماً وكذباً.. ولكن من يحاسب هذه الوسائل القذرة ويوقفها عند حدّها؟ وأين يمكن أن نشتكي وأجهزتنا التنفيذية أضعف من أن تضرب بيد من حديد، وبرلماننا معصوب العينين، وطبقتنا السياسية على العموم منشغلة بأمرين لا ثالث لهما، المزيد من المغانم والفوز في الانتخابات.. ثم ماذا لو اكتشفنا أنَّ تمويل الإعلام الطائفي تقف وراءه عناوين في العملية السياسية وهذه العناوين بدورها تحصل على تمويل فلكي من (الأشقاء والأصدقاء) الذين لا يموّلون جماعتهم الشيعة بحفنة كهرباء ولا جماعتهم السُنّة بخيمة نازحين، بل يموّلونهم بسلال الطائفية وبمنتهى الجود والكرم!!